منحة الخالق
المشهورة من البزازية ليست على الإطلاق الذي ادعاه وبنى عليه فتواه بل على ما قيده من أن كلا من المتداعيين يطلب المحاكمة عند قاضي محلته وعلى تقدير أن في نسخته إطلاقا فهو محمول على التقييد المصرح به في العمادية والخانية وغيرهما فإن الذي ولاه خصه بتلك البلدة أو بتلك المحلة ولهذا قال في جامع الفصولين اختصم غريبان عند قاضي بلدة صح قضاؤه على سبيل التحكيم أقول: ولا يحتاج إلى هذا؛ لأن القضاة يفوض لهم الحكم على العموم في كل من هو في بلدهم أو قريتهم التي تولوا القضاء بها.
ولهذا قال في الفصول العمادية بعد ذكر المسألة مقيدة بما ذكرنا وكذا لو كان أحدهما من أهل العسكر والآخر من أهل البلد فأراد العسكري أن يخاصمه إلى قاضي العسكر فهو على هذا ولا ولاية لقاضي العسكر على غير الجندي. اه.
فهذا دليل واضح على أن المعتبر هو الولاية فالسلطان لما ولى قاضيا ببلدة أو محلة مخصوصة خصه بأهل تلك البلدة فليس له أن يحكم على غيرهم ومعلوم أن قاضي مصر لما ولي لم يخص حكمه بأهل مصر بل بمن هو فيها من مصري وشامي وحلبي وغيرهم فينبغي التعويل على قول أبي يوسف لموافقته لتعريف المدعي والمدعى عليه، وأن ما ذكره المتأخر يعني العلامة زينا لا وجه له حموي عن المقدسي كذا في حاشية أبي السعود أقول: وحاصله أن ما ذكروه من تصحيح قول محمد بأن العبرة لمكان المدعى عليه إنما هو فيما إذا كان قاضيان كل منهما في محلة، وقد أمر كل منهما بالحكم على أهل محلته فقط بدليل قول العمادي ولا ولاية لقاضي العسكر على غير الجندي أما إذا كان كل منهما مأذونا بالحكم على أي من حضر عنده فينبغي تصحيح قول أبي يوسف؛ لأن المدعي هو الذي له الخصومة فيطلبها عند أي قاض أراد ولا يخفى أن قضاة مصر والشام إذ إذنهم عام.
وهذا كلام متجه ونقل مثله في الدر المختار عن خط صاحب التنوير على هامش البزازية حيث قال: وهذا الخلاف فيما إذا كان كل قاض على محلة على حدة أما إذا كان في المصر حنفي وشافعي، ومالكي وحنبلي في مجلس واحد والولاية واحدة فلا ينبغي أن يقع الخلاف في إجابة المدعي لما أنه صاحب الحق. اه.
قلت وذكر نحوه في المنح ولكن رده الرملي في حاشيته عليها وبالغ فيه حتى جعله بالهذيان أشبه ولم يأت لرده بوجه يقويه والظاهر أنه لم يظهر له المراد، وهو الذي ذكرناه في الحاصل فقال ما قال وذكر شيخ مشايخنا السائحاني بعد كلام قال في قضاء البزازية فوض قضاء ناحية إلى رجلين لا يملك أحدهما القضاء ولو قلد رجلين على أن ينفرد كلا منهما بالقضاء لا رواية فيه، وقال الإمام ظهير الدين ينبغي أن يجوز؛ لأن القاضي نائب السلطان ويملك التفرد. اه.
فتحصل أن الولاية لو لقاضيين فأكثر كل واحد في محلة فتفرد القاضي صحيح والعبرة للمدعى عليه، وإن كانوا في محل واحد على السواء فقد سمعت أنه لا يملك أحدهم التفرد فلا فائدة في اختيار أحدهم، وإن أمر كل واحد بالتفرد جاز وحينئذ فلا يظهر فرق بين كون كل واحد في محلة أو مجتمعين فما فهمه صاحب التنوير ليس على إطلاقه بل على هذا التفصيل. اه.
وكان عليه أن يذكر بعد قوله جاز والعبرة للمدعي، وقد اتضح المرام من هذه المسألة على أتم وجه ولله تعالى الحمد. (قوله: أو دائنا) فائدته إثبات المخاصمة تأمل