منحة الخالق
توبة الزنديق
(قوله لكنه تعود طاعته المتقدمة مؤثرة في الثواب بعد) أي بعد توبته ولعل المراد بعودها مؤثرة في الثواب أنه سبحانه يثيبه عليها ثوابا جديدا غير الثواب الذي حبط أو أن المراد بالثواب عدم مطالبته بإعادتها وإن بطلت بالردة فإن الاعتداد بها وعدم مطالبته بإعادتها فضل من الله تعالى تأمل ثم رأيت في شرح المقاصد للسعد التفتازاني في بحث التوبة ثم اختلفت المعتزلة في أنه إذا سقط استحقاق العقاب للمعصية بالتوبة هل يعود استحقاق ثواب الطاعة الذي أبطلته تلك المعصية فقال أبو علي وأبو هاشم لا لأن الطاعة تنعدم في الحال وإنما يبقى استحقاق الثواب وقد سقط والساقط لا يعود وقال الكعبي نعم لأن الكبيرة لا تزيل الطاعة وإنما تمنع حكمها وهو المدح والتعظيم فلا تزيل ثمرتها فإذا صارت بالتوبة كأن لم تكن ظهرت ثمرة الطاعة كنور الشمس إذا زال الغيم وقال بعضهم وهو اختيار المتأخرين لا يعود ثواب السابق لكن تعود طاعته السالفة مؤثرة في استحقاق ثمراته وهو المدح والثواب في المستقبل بمنزلة شجرة احترقت بالنار أغصانها وثمارها ثم انطفأت النار فإنه تعود أصل الشجرة وعروقها إلى خضرتها وثمرتها اه.
وهذا يفيد ما قلنا ويفيد أن الخلاف بين الكعبي وغيره على عكس ما ذكره المؤلف وأن الخلاف المذكور عند المعتزلة في بطلان ثواب الطاعة بالمعاصي الكبائر لأنها عند هم تخرج صاحبها من الإيمان بمنزلة الردة لكن لا تدخله في الكفر نعم إذا مات مصرا عليها كان مخلدا في النار كالكفار (قوله ومنها بقاء المعصية مع الردة) قال القهستاني المعصية بالردة لا ترتفع كما في قاضي خان وغيره وعن أبي حنيفة لو وجب عليه صوم شهرين متتابعين ثم ارتد ثم تاب سقط عنه القضاء كما في التتمة وذكر التمرتاشي أنه يسقط عند العامة ما وقع حال الردة وقبلها من المعاصي ولا يسقط عند كثير من المحققين اه.
وتمامه فيه وأقول: الذي يظهر لي ويتعين المصير إليه أن ما وقع من المعاصي قبل الردة لا يسقط بالردة أصلا وإنما يسقط بعد إسلامه كما يسقط ما وقع منه حال الردة لأن «الإسلام يجب ما قبله» كما في الحديث ووجهه أنه بإسلامه وتبريه عما كان عليه يصير تائبا عما صدر منه قبل الإسلام المذكور فقد ظهر بهذا أن المرتد في حال ردته تحبط طاعاته وهل تعود على الخلاف وأنه في حال ردته لا تسقط معاصيه إذ لا وجه لسقوطها بل قد ازداد فوقها أعظم الآثام وإنما تسقط معاصيه الماضية بإسلامه أو لا فيه الخلاف المذكور بناء على أن نفس الإسلام يكون توبة من المعاصي أيضا أو لا والذي يظهر من حديث «الإسلام يجب ما قبله» ما ذهب إليه العامة من سقوط المعاصي أي بالإسلام لا بالردة كما علمت تحقيقه والله أعلم ثم لا يخفى أن هذا كله في غير الذي يطالب بأدائه بعد الإسلام كحقوق العباد وقضاء ما تركه من صلاة وصيام.