تخطَّ إلى المحتوى

منحة الخالق

ما مر أول البحث، فإذا كان أهل الكتاب اليوم ينكرون بعثته - صلى الله عليه وسلم - مطلقا فقد عاد الأمر إلى ما كان في زمنه - صلى الله عليه وسلم - فلا تجوز مخالفته ولا العدول عنه؛ لأنه خلاف ما ورد به النصوص الصريحة الصحيحة بلا موجب للعدول عنه نعم إن علم من حال ذل كالكتابي أنه يخصص البعثة فلا بد من تبرئه من دينه الذي كان عليه وإذا جهل حاله، وقد أتى بالشهادتين ثم ارتد يسأل بأن نبينا محمدا - صلى الله عليه وسلم - مبعوث إلى العرب والعجم، فإن قال لا فقد علم أنه لا يخصص البعثة فيجبر على العود إلى الإسلام، وإن قال نعم لكنه لم يبعث إلى بني إسرائيل علم أن ما أقر به من الشهادتين مبني على اعتقاده من أنه رسول الله إلى العرب والعجم فقط ولكن قد تقوم قرينة دالة على الحال، وإن كان مجهولا كما إذا أتى إلى مسلم وقال له اعرض علي الإسلام فلقنه الشهادتين وأتى بهما طائعا مختارا وكذا ما جرت به العادة في زماننا من أنه يذهب إلى المحكمة ويسلم عند القاضي فهذا لا شك.

ولا ريب في أن مراده الإقرار بعموم البعثة وفي أنه لا يريد به التخصيص الذي يحتمل أنه كان يعتقده، فإن هذا الاحتمال مع هذه القرينة الواضحة مضمحل غير معتبر، وإن لم يصرح بالتبري والعدول عما ورد في الأدلة الصريحة بمجرد هذا الاحتمال نبذ للشريعة بالكلية، فإن الإمام محمدا - رحمه الله تعالى - لم يشترط التبري إلا لتيقنه وعلمه بحال أهل بلاده واعتقادهم تخصيص البعثة بغير بني إسرائيل ولولا علمه ذلك منهم لم يسغ له ولا لمن بعده مخالفة ما وردت به الشريعة من الاكتفاء بالشهادتين فيجب إدارة الحكم على علته في كل زمان ولذا قالوا لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا حتى يعلم من أين قلنا فاغتنم هذا التحرير الفريد وما مشى عليه المؤلف هنا تبعا لقارئ الهداية ذكر العلائي في شرحه على الملتقى في الردة أنه أفتى به صنع الله أفندي في فتاويه وأنه أفتى به ابن كمال باشا وأنه ذكر في شرح المنتقى لداماد أفندي أنه المعمول به.

(قوله: صاروا ذمة لنا) قال الرملي يدل على أنه بمجرد القبول يصيرون ذمة من غير عقد ودعاؤنا

البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء ٥ · الصفحة ٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.