تخطَّ إلى المحتوى

منحة الخالق

عن أبي حنيفة وأصحابه الاتفاق على فساد الدور وإنما وقع عنهم في وقوع الثلاث أو المنجز وحده، وفي مغني الحنابلة لا نص لأحمد في هذه المسألة وقال القاضي: تطلق ثلاثا وقال ابن عقيل تطلق بالمنجز لا غير اه.

ثم نقل عن عشرين إماما من الأئمة الشافعية اتفقوا على بطلان الدور، وإن اختلفوا في عدد الواقع به وقال أيضا وبالغ في تخطئة القائلين بصحته العز بن عبد السلام وناهيك به جلالة ومن ثم لقب بسلطان العلماء، وعبارته كما حكاه تلميذه الإمام القرافي عنه في هذه المسألة: لا يصح فيها التقليد، والتقليد فيها فسوق؛ لأن القاعدة أن قضاء القاضي ينقض إذا خالف أحد أربعة أشياء الإجماع أو النص أو القواعد أو القياس الجلي وما لا يقر شرعا إذا تأكد بقضاء القاضي ينقض فأولى إذا لم يتأكد وإذا لم يقر شرعا حرم التقليد فيه لأن التقليد في غير شرع هلاك وهذه المسألة مخالفة للقواعد الشرعية فلا يصح التقليد فيها قال القرافي: وهذا بيان حسن ظاهر وقال الإمام ابن الصلاح: ابن سريج بريء ما نسب إليه والذي عليه الطوائف من أصحاب المذاهب، وجماهير أصحابنا القول بأنه لا ينسد باب الطلاق بل يقع على اختلاف في كمية الواقع، وقال الزركشي في الخادم: وبالغ السروجي من الحنفية فقال: القول بانسداد باب الطلاق يشبه مذاهب النصارى أنه لا يمكن للزوج إيقاع طلاق على زوجته مدة عمره.

وقال الإمام الكمال بن الرداد شارح الإرشاد المعتمد في الفتوى وقوع الطلاق المنجز وهو المنقول عن ابن سريج وصححه جمع وعليه العمل في الديار المصرية، والشامية وهو القوي في الدليل وعزاه الرافعي إلى أبي حنيفة هذا حاصل ما أردت تلخيصه من مؤلف ابن حجر وتقدم عن المحقق ابن الهمام تقوية القول بالوقوع ونقل الغزي في منح الغفار أول كتاب الطلاق رد القول بخلافه بأبلغ وجه حيث قال: وفي جواهر الفتاوى قال أبو العباس بن سريج من أصحاب الشافعي إذا قال الرجل لامرأته: إن طلقتك ثلاثا فأنت طالق قبله ثلاثا ثم أوقع الطلاق عليها لا يقع أبدا وأنكر عليه جميع أئمة المسلمين من أصحاب الشافعي أيضا مثل إمام الحرمين والشيخ أبي إسحاق والإمام الغزالي.

وهذا قول مخترع مخالف لأهل القبلة فإن الأمة أجمعت من الصحابة، والتابعين وأئمة السلف من أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما على أن طلاق المكلف واقع.

وقد «قال - صلى الله عليه وسلم - من خالف الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام» ، وعن بعض مشايخنا أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام فسأله عن طلاق الدور، فقال - صلى الله عليه وسلم - من قال بطلاق الدور فقد أضل أمتي فقال لا يقبل مني فقال - صلى الله عليه وسلم - ما عليك إلا البلاغ ثم بحث في الاستدلال على بطلانه ثم قال: ولو حكم حاكم بصحة الدور وبقاء النكاح وعدم وقوع الطلاق لا ينفذ حكمه ويجب على حاكم آخر تفريقهما لأن مثل هذا لا يعد خلافا لأنه قول مجهول باطل فاسد ظاهر البطلان اه. إلى هنا كلام المنح.

البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء ٣ · الصفحة ٢٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.