تخطَّ إلى المحتوى

﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ﴿٨٢﴾﴾

قوله تعالى (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ[٩٥] وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ[٩٦] لَّهُمَا)

2568 - قال يحيى بن سلام 1/200:

﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ﴾ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: مَالٌ، فَلا يَقُولَنَّ رَجُلٌ: "مَا شَأْنُ الْكَنْزِ[٩٧] أُحِلَّ لِمَنْ قَبْلَنَا وَحُرِّمَ عَلَيْنَا"، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِلُّ مِنْ أَمْرِهِ مَا شَاءَ لأُمَّةٍ وَيُحَرِّمُ مَا يَشَاءُ عَلَى أُمَّةٍ.

2569 - وقال الطبري 18/90: حَدَّثَنَا الحَسَن بن يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزّاق، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَة (وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا) قَالَ: مَالٌ لَهُمَا، قَالَ قَتَادَة: أُحِلَّ الكَنْزُ لِمَنْ كَانَ قَبْلَنَا، وَحُرِّمَ عَلَيْنَا، فَإِنَّ اللهَ يُحِلُّ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَيُحَرِّمُ، وَهِيَ السُّنَنُ وَالفَرَائِضُ، وَيُحِلُّ لِأُمَّةٍ، وَيُحَرِّمُ عَلَى أُخْرَى، لَكِنَّ اللهَ لاَ يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ مَضَى إِلاَّ الإِخْلاَصَ وَالتَّوْحِيدَ لَهُ.

2570 - وقال عبد الرزاق 1700:

أرنا مَعْمَرٌ، قَالَ: قَتَادَةَ، «أُحِلَّ الْكَنْزُ لِمَنْ كَانَ قَبْلَنَا وَحُرِّمَ عَلَيْنَا، وَحُرِّمَتِ الْغَنِيمَةُ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَنَا وَأُحِلَّتْ لَنَا».

قوله تعالى (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا[٩٨] فَأَرَادَ رَبُّكَ[٩٩] أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا)

2571 - قال الطبري 18/91:

حَدَّثَنَا بِشْر، قَالَ: ثَنَا يَزِيد، قَالَ: ثَنَا سَعِيد، عَنْ قَتَادَة (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي): كَانَ عَبْدًا

مَأْمُورًا، فَمَضَى لِأَمْرِ اللهِ.[١٠٠]

[٩٥] قال السدّي: .. كَانَ أهلها لئامًا .[تفسير ابن أبي حاتم 12912].اهـ

[٩٦] عن مجاهد في قوله تعالى (وَكَانَ تَحْتَهُ كَنز لَهُمَا) قال: صحف من علم .اهـ [تفسير عبد الرزاق 1703].اهـ وعند البستي في تفسيره، قال مجاهد: "صحف فيها علم" .اهـ وقال سعيد بن جبير: كان كنز علم .[تفسير الطبري 18/88].اهـ وقال عكرمة: مال .[تفسير يحيى بن سلام 1/200].اهـ وقيل: لوح من ذهب مكتوب فيه علم.

[٩٧] الكنز إما أن يكون من دفين أهل الإسلام أو عليه علامة الإسلام فهو لُقطة تُعَرَّف، وإن كان من دفين أهل الكفر أو عليه علامة أهل الكفر فهو ركاز وفيه الخمس لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "وفي الركاز الخمس" [متفق عليه]. قال يحيى بن آدم في الخراج ٧٦: سَأَلْتُ حَسَنَ بْنَ صَالِحٍ عَنِ الرِّكَازِ، فَقَالَ: "هُوَ الْكَنْزُ الْعَادِيُّ، مَا كَانَ مِنْ ضَرْبِ الْأَعَاجِمِ، وَفِيهِ الْخُمُسُ ". وقال أيضا ٧٧: قَالَ الْحَسَنُ: "مَا كَانَ مِنْ ضَرْبِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الضَّالَّةِ وَاللُّقَطَةِ، إِنْ وُجِدَ مَنْ يُعَرِّفُهَا، وَإِلَّا تُصُدِّقَ بِهَا ".اهـ وقال عبد الله بن أحمد في العلل ٥٩٢٧: سَمِعت أَبِي يَقُول: الْكَنْز العادي مَا كَانَ من ضرب الأكاسرة، وَمَا كَانَ من ضرب الْإِسْلَام فَهُوَ لُقطَة تعرف .اهـ وقال ابن قدامة في المغني بعد أن ذكر الحالتين: "وإن كان على بعضه علامة الإسلام وعلى بعضه علامة الكفر، فكذلك نص عليه أحمد في رواية ابن المنصور، لأن الظاهر أنه صار إلى مسلم، ولم يعلم زواله عن ملك المسلمين فأشبه ما على جميعه علامة المسلمين. اهـ

[٩٨] عن ابن عباس رضي الله عنه في قولِه تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾، قال: حفظا بصلاح أبيهما، لم يذكر منهما صلاحا .[تفسير سعيد بن منصور 1353]. وعن سعيد بن جبير فِي قَوْلِهِ: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) قَالَ: كَانَ يؤدي الأمانات والودائع إِلَى أهلها .[تفسير ابن أبي حاتم 7/2375].اهـ يقول أحمد في الزهد ٣٠٤: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ قَالَ: "قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: طُوبَى لِلْمُؤْمِنِ، ثُمَّ طُوبَى لَهُ، كَيْفَ يَحْفَظُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهُ مِنْ بَعْدِهِ ".اهـ وقيل أنه كان جدا لهما وفيه تسمية الجد بالأب. وفي كتاب الله غير آية في هذا.

[٩٩] في كل جمعة كان يمر معي ما قص الله من خبر الخضر مع موسى عليهما الصلاة والسلام، فكنت أتسائل لم قال الخضر صلى الله عليه وسلم في الأولى ﴿فأردت﴾ وفي الثانية ﴿فأردنا﴾ وفي الثالثة ﴿فأراد ربك﴾. مع أنه قال في الآخر ﴿وما فعلته عن أمري﴾. في الأولى شر ظاهر لكن العاقبة حسنة فنسب الشر إليه تأدبا مع الله. في الثالثة خير ظاهر فنسبه لله تعالى. في الثانية أشكل عليَّ، لكن وقفت على شيء ذكره النحاس في المعاني، قال: " (فأردنا أن يبدلهما)، قال أبو حاتم: هذا من كلام صاحب موسى يعني الخضر. وقال غيره: هو من قول الله جل وعز ".اهـ كما في قوله (فخشينا)، قال قتادة: هِيَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: (فَخَافَ رَبُّكَ أَنْ يُرْهِقَهُمَا طغيانا وكفرا).[تفسير يحيى].اهـ وهي كذلك فِي قراءة أُبَيّ بن كعب (فخافَ ربُّك أن يرهقهما) [ذكره الفراء في معاني القرآن].اهـ وعن ابن عباس رضي الله عنه أن الغلام طبع كافرا. ولعله من قبيل جمع التجليل، فيكون من قول الله، أو ما يسمى ب "نحن الملكية"كما في قوله (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ الدُّنْيَا) وفي قوله (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ). والله أعلم.

[١٠٠] ومما قال الخضر لموسى عليهما الصلاة والسلام، ما رواه عبد الله بن أحمد في العلل 2662، قال: حَدَّثَنِي أبي قَالَ حَدثنَا عَفَّان قَالَ حَدثنِي عون بْن مُعَمر قَالَ: قَالَ الْخضر لِمُوسَى: انْزعْ عَن اللجاجة، وَلَا تمش فِي غير حَاجَة، وَلَا تضحك من غير عجب، وَلَا تعير الخطائين بخطاياهم، وابك على خطيئتك يَا بن عمرَان .اهـ وقال إسحاق البستي في تفسيره: سمعت المسيب قال: قال يوسف [ابن اسباط]: لما أراد موسى أن يفارق الخضر قال له موسى: أوصني. فقال له الخضر: تعلم العلم لتعمل به، ولا تعلم العلم لتحدث به. فقال له موسى: فادع الله لي. فقال له الخضر: يسر الله عليك طاعته .اهـ وهذا مثل ما قال أبو قلابة لأيوب: إذا أحدث الله لك علما فأحدث له عبادة ولا يكن همّك أن تحدث به .اهـ من ذلك أيضا ما ذكره الأعمش [سليمان بن مهران] قال: جهدنا بإبراهيم أن نجلسه إلى سارية فأبى .اهـ إبراهيم هذا النخعي شيخ الكوفة في زمانه، كان سعيد بن جبير إذا سئل يقول: تستفتوني وعندكم إبراهيم. حتى أن مالك بن أنس بلغه أن أقواما يأخذون بقوله ويدعون قول عمر رضي الله عنه فقال أرى أن يستتابوا، الأعمش يقول جهدنا أن نجلسه إلى سارية فأبى. وهذا كان حال الناس [أهل العلم] قديما، لا يتشوفون للكلام إنما كان همهم العلم والعمل. فإذا جاء وقت الكلام كانوا أحسن الناس حديثا وأقولهم للحق لا يخافون في الله لومت لائم. يقول إِسْمَاعِيل بن أُميَّة: كَانَ عَطاء [بن أبي رباح] يُطِيل الصمت وَالسُّكُوت فَإِذا تكلم يخيل إِلَيْنَا أَنه يُؤَيّد .اهـ ولولا الأمانة ما تكلموا، والله المستعان. يقول ابن محيريز: صحبت فضالة بن عبيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أوصني رحمك الله، قال: "احفظ عني ثلاث خصال ينفعك الله بهن: إن استطعت أن تَعرف ولا تُعرف، فافعل، وإن استطعت أن تسمع ولا تتكلم، فافعل، وإن استطعت أن تجلس ولا يُجلس إليك، فافعل ". [الحلية لأبي نعيم] .اهـ فضالة بن عبيد أبو محمد الأنصاري أصغر شهود بيعة الرضوان، قال ابن يونس: "شهد فتح مصر، وولي بها القضاء والبحر لمعاوية ".اهـ ولما هلك قال معاوية رضي الله عنه وهو يحمل نعشه، لابنه عبد الله: "تعال اعقبني، فإنك لن تحمل مثله أبدا ". [السير] .اهـ نفعنا الله وإياكم بهذه الخصال الثلاث.

تفسير قتادة · الصفحة ٨٨٣

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.