تخطَّ إلى المحتوى

﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا ﴿٧٩﴾﴾

قوله تعالى (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ)

2434 - قال عبد الرزاق 1608:

عَنْ مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: 79]، قَالَ: «تَطَوُّعًا وَفَضِيلَةً لَكَ».[٧٣]

قوله تعالى (عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا)[٧٤]

2435 - قال الطبري 17/528:

حَدَّثَنَا مُحَمّد بَنْ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّد بَنْ ثَوْر، عَنْ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَة (مَقَامًا مَحْمُودًا) قَالَ: هِيَ الشَّفَاعَةُ، يُشَفِّعُهُ اللهُ فِي أُمَّتِهِ.

[٧٣] قال يحيى بن سلام في تفسيره " 1/155 ": حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: النَّافِلَةُ لا تَكُونُ إِلا لِلنَّبِيِّ .اهـ حَمَّادٌ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: إِذَا تَوَضَّأَ الرَّجُلُ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ فَإِنْ قَعَدَ قَعَدَ مَغْفُورًا لَهُ، وَإِذَا قَامَ يُصَلِّي كَانَتْ لَهُ فَضِيلَةً. فَقِيلَ لَهُ: نَافِلَةً؟ فَقَالَ: إِنَّمَا النَّافِلَةُ لِلنَّبِيِّ .اهـ يقول ابن القيم في زاد المعاد ص 311: "قد اختلف السلف والخلف في أنه: هل كان فرضا عليه أم لا؟ والطائفتان احتجوا بقوله تعالى: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك) [الإسراء: 79] قالوا: فهذا صريح في عدم الوجوب، قال الآخرون: أمره بالتهجد في هذه السورة، كما أمره في قوله تعالى: (ياأيها المزمل قم الليل إلا قليلا) [المزمل: 1، 2]. ولم يجئ ما ينسخه عنه، وأما قوله تعالى: (نافلة لك). فلو كان المراد به التطوع، لم يخصه بكونه نافلة له، وإنما المراد بالنافلة الزيادة، ومطلق الزيادة لا يدل على التطوع، قال تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة) [الأنبياء: 72]، أي: زيادة على الولد، وكذلك النافلة في تهجد النبي صلى الله عليه وسلم زيادة في درجاته، وفي أجره، ولهذا خصه بها، فإن قيام الليل في حق غيره مباح، ومكفر للسيئات، وأما النبي صلى الله عليه وسلم، فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فهو يعمل في زيادة الدرجات وعلو المراتب، وغيره يعمل في التكفير. قال مجاهد: "إنما كان نافلة للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"، فكانت طاعته نافلة، أي: زيادة في الثواب، ولغيره كفارة لذنوبه، قال ابن المنذر في تفسيره: حدثنا يعلى بن أبي عبيد، حدثنا الحجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: "ما سوى المكتوبة"، فهو نافلة من أجل أنه لا يعمل في كفارة الذنوب، وليست للناس نوافل، إنما هي للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، والناس جميعا يعملون ما سوى المكتوبة لذنوبهم في كفارتها. حدثنا محمد بن نصر، حدثنا عبد الله، حدثنا عمرو، عن سعيد وقبيصة، عن سفيان، عن أبي عثمان، عن الحسن في قوله تعالى: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك) . قال: "لا تكون نافلة الليل إلا للنبي صلى الله عليه وسلم". وذُكر عن الضحاك، قال: نافلة للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة . وذَكر سليم بن حيان، حدثنا أبو غالب، حدثنا أبو أمامة، قال: إذا وضعت الطهور مواضعه، قمت مغفورا لك، فإن قمت تصلي، كانت لك فضيلة وأجرا، فقال رجل: يا أبا أمامة، أرأيت إن قام يصلي تكون له نافلة؟ قال: لا، إنما النافلة للنبي صلى الله عليه وسلم، فكيف يكون له نافلة، وهو يسعى في الذنوب والخطايا؟! تكون له فضيلة وأجرا. قلت [ابن القيم]: والمقصود أن النافلة في الآية، لم يرد بها ما يجوز فعله وتركه، كالمستحب، والمندوب، وإنما المراد بها الزيادة في الدرجات ".اهـ عليه الصلاة والسلام.

[٧٤] قال مجاهد في قول الله تعالى (مَقَامًا مَحْمُودًا) قال: شفاعة محمد يوم القيامة. [تفسير الطبري 17/528].اهـ وصح عن مجاهد أيضا تفسير المقام المحمود بأن الله يجلس نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم على العرش، وهنا أمور: الأول: أن القول بأن هذا التفسير باطل لو قيل في زمن السلف لما خرج قائله حيا. يقول أبو بكر الخلال في "السنة 261 ": وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ صَدَقَةَ، يَقُولُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ يَوْمًا، وَذَكَرَ حَدِيثَ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فَجَعَلَ يَقُولُ: "هَذَا حَدَّثَ بِهِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمَجْلِسِ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ فَكَمْ تَرَى كَانَ فِي الْمَجْلِسِ، عِشْرِينَ أَلْفًا، فَتَرَى لَوْ أَنَّ إِنْسَانًا قَامَ إِلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ: لا تُحَدِّثْ بِهَذَا الْحَدِيثِ، أَوْ أَظْهَرَ إِنْكَارَهُ، تَرَاهُ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ ثَمَّ إِلاَّ وَقَدْ قُتِلَ ". قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ صَدَقَةَ، وَصَدَقَ، مَا حُكْمُهُ عِنْدِي إِلاَّ القَتْلِ" .اهـ الأمر الثاني أن الأئمة رووا حديث ابن فضيل عن ليث عن مجاهد بلا نكير، فيسعنى ما وسعهم. يقول الخلال في "السنة 274 ": وَحَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ مُحْرِزُ بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: "عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [سورة الإسراء آية 79]، قَالَ: يُجْلِسُهُ عَلَى الْعَرْشِ "، وَقَدْ سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ مَشْيَخَتِنَا، مَا رَأَيْتُ أَحَدًا رَدَّ هَذَا .اهـ وقال 284: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ [يريد الإمام أحمد] "عَنِ الأَحَادِيثِ الَّتِي تَرُدُّهَا الْجَهْمِيَّةُ فِي الصِّفَاتِ، وَالرُّؤْيَةِ، وَالإِسْرَاءِ، وَقِصَّةِ الْعَرْشِ، فَصَحَّحَهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَقَالَ: قَدْ تَلَقَّتْهَا الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ، نُسَلِّمُ الأَخْبَارَ كَمَا جَاءَتْ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ رَجُلا اعْتَرَضَ فِي بَعْضِ هَذِهِ الأَخْبَارِ كَمَا جَاءَتْ، فَقَالَ: يُجْفَا، وَقَالَ: مَا اعْتِرَاضُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، يُسَلِّمُ الأَخْبَارَ كَمَا جَاءَتْ؟ " .اهـ الأمر الثالث أن رواية ليث عن مجاهد في المقطوع قوية. ومن تتبع مرويات ليث عن مجاهد وعن طاوس (في المقطوعات) وجد عامتها مستقيمة. يقول البرقاني في سؤالاته للدارقطني 421: سألته عن ليث بن أبي سليم، فقال: صاحب سنة يخرج حديثه. ثم قال: أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاوس ومجاهد حسب. اهـ يعني إذا أفرد شيخه كان ضابطا لكلامه، وكلام الدارقطني قوي في الرد على المخالفين. يقول الخلال في "السنة 294 ": وَقَالَ لي إِبْرَاهِيمُ [يعني الأصبهاني]: هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ ثَبْتٌ، حَدَّثَ بِهِ الْعُلَمَاءُ مُنْذُ سِتِّينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ، لا يَرُدُّهُ إِلا أَهْلُ الْبِدَعِ، وَطَعَنَ عَلَى مَنْ رَدَّهُ .اهـ الأمر الرابع أنه لا تعارض بين الإذن بالشفاعة وبين الإجلاس. بل الأكمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم جالسا حتى يشفع. ألا ترون الملوك كيف تصنع إذا أرادت أن تصدر الأحكام والخطب وغيرها؟! قال ابن الجوزي: وَالْأَكْثَر عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْمَقَامِ الْمَحْمُود الشَّفَاعَة، وَقِيلَ إِجْلَاسه عَلَى الْعَرْش، وَقِيلَ عَلَى الْكُرْسِيّ، وَحَكَى كُلًّا مِنْ الْقَوْلَيْنِ عَنْ جَمَاعَة، وَعَلَى تَقْدِير الصِّحَّة لَا يُنَافِي الْأَوَّل لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون الْإِجْلَاس عَلَامَة الْإِذْن فِي الشَّفَاعَة، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْمَقَامِ الْمَحْمُود الشَّفَاعَة كَمَا هُوَ مَشْهُور وَأَنْ يَكُون الْإِجْلَاس هِيَ الْمَنْزِلَة الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْوَسِيلَةِ أَوْ الْفَضِيلَة"اهـ [الفتح 2/ 416].اهـ وقال الطبري في تفسيره، بعد أن ذكر أحاديث الشفاعة: "وهذا وإن كان هو الصحيح من القول في تأويل قوله (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) لما ذكرنا من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين، فإن ما قاله مجاهد من أن الله يقعد محمدا صلى الله عليه وسلم على عرشه قول غير مدفوع صحته، لا من جهة خبر ولا نظر، وذلك لأنه لا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن التابعين بإحالة ذلك ". اهـ

تفسير قتادة · الصفحة ٨٣٨

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.