﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴿٥﴾﴾
قوله تعالى (يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ)[٤]
3805 - قال عبد الرزاق 2299:
عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ قَالَ:
3806 - وقال الطبري 20/167:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ) من أيامكم (كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) يقول: مقدار مسيره في ذلك اليوم ألف سنة مما تعدّون من أيامكم من أيام الدنيا خمسمائة سنة نزوله، وخمسمائة صعوده فذلك ألف سنة.
[٤] يقول ابن أبي مليكة: دَخَلْتُ أنا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَيْرُوزَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ فَيْرُوزَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، قَوْلُ اللَّهِ: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: 5] الْآيَةَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَيْرُوزَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾، فَقَالَ لَهُ ابْنُ فَيْرُوزَ: أَسْأَلُكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «أَيَّامًا سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى لَا أَدْرِي مَا هِي، أَكْرَهُ أَنْ أَقُولَ فِيهَا مَا لَا أَعْلَمُ» قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: فَضَرَبَ الدَّهْرُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَسُئِلَ عَنْهَا فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ فِيهَا، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ أَلَا أُخْبِرُكَ مَا حَضَرْتُ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ لِلسَّائِلِ: هَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَدِ اتَّقَى أَنْ يَقُولَ فِيهَا وَهُوَ أَعْلَمُ مِنِّي .[تفسير عبد الرزاق].اهـ فاعجب ممن يتّهم ابن عباس رضي الله عنه بالقول بالرأي في كتاب الله. وهذا شيء يسير في ذكر مناقب حبر العرب رضوان الله عليه: يقول البخاري في "صحيحه 3756 ": حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى صَدْرِهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ .اهـ والحكمة الفقه والعقل والإصابة في القول. ومن فضائل حبر العرب (قاله سعيد بن جبير)، ما رواه الطبري في تفسيره 6632، قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «يَنْحَدِرُ الْأَمْرُ[٥] وَيَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ مِنَ الْأَرْضِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مِقْدَارُهُ أَلْفُ سَنَةٍ، خَمْسُمِائَةٍ فِي الْمَسِيرِ حِينَ يَنْزِلُ وَخَمْسُمِائَةٍ حِينَ يَعْرُجُ». أَنَّهُ قَالَ: أَنَا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ .اهـ وفي قوله تعالى (ما يعلمهم إلا قليل) قال قتادة: كان ابن عباس يقول: أنا من القليل. [تفسير عبد الرزاق].اهـ ولما اختلف مع معاوية في قوله تعالى (في عين حمئة) وقرأها معاوية (في عين حامية). قَالَ ابن عباس: فقلت لمعاوية: "في بيتي نزل القرآن " .[تفسير ابن أبي حاتم 12954].اهـ وفي رواية أنه سُئِلَ عَنْهَا ابْنُ عُمَرَ فَقَالَ: (حَامِيَةٍ). فقال ابن عباس: «إِنَّا نَحْنُ أَعْلَمُ» .[تفسير عبد الرزاق 1714].اهـ وقال الطبري في "تفسيره 98 ": حَدَّثَنِي يَعْقُوب، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّة، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَة: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ آيَةٍ لَوْ سُئِلَ عَنْهَا بَعْضُكُمْ لَقَالَ فِيهَا، فَأَبَى أَنْ يَقُولَ فِيهَا .اهـ وقال أبو عبيد في "فضائل القرآن 690 ": حَدَّثَنَا مُحَمَّد بَنْ جَعْفَر، عَنْ شُعْبَة، عَنْ عَمْرُو بَنْ مُرَّة، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِسَعِيد بَنْ جُبَيْر: أَمَا رَأَيْتَ ابْنَ عَبَّاسٍ حِينَ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَة (وَالمحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) فَلَمْ يَقُلْ فِيهَا شَيْئًا، فَقَالَ سَعِيد: كَانَ لاَ يَعْلَمُهَا .اهـ وقال سعيد بن منصور في تفسيره 1326: حدَّثنا سفيانُ، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عَبَّاس، قال: لا أدري ما "الرقيم" .اهـ وفيه براءة ابن عباس من القول برأيه في كتاب الله. وكان أهل القرآن والفقه واللغة كلهم عنده يسألونه في مجلسه، قال المروزي في "زوائد الزهد 1162 ": حَدَّثَنَا الهَيْثَمُ بن جَمِيلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الجَبَّارِ بَنْ الوَرْدِ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاء بْنَ أَبِي رَبَاحٍ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ مَجْلِسًا قَطُّ أَكْرَمُ مِنْ مَجْلِسِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَكْثَرَ فِقْهًا، وَلاَ أَعْظَمَ جَفْنة، أَصْحَابُ القُرْآنِ عِنْدَهُ يَسْأَلُونَهُ، وَأَصْحَابُ العَرَبِيَّةِ عِنْدَهُ يَسْأَلُونَهُ، وَأَصْحَابُ الشِّعْرِ عِنْدَهُ يَسْأَلُونَهُ، فَكُلُّهُمْ يَصْدُرُ فِي رَأْيِ وَاسِعٍ ".اهـ سبحان الله، يقول عبد الرزاق في تفسيره ٨١٢٣: عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الْحَسَنِ وَهُوَ يُصَلِّي فَذَاكَرْتُ ابْنَهُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ، فَانْفَتَلَ إِلَيْنَا، فَقَالَ: مَاذَا تُذَاكِرَانِ؟ قَالَ: قُلْتُ: ﴿طسم﴾ [الشعراء: ١]، ﴿وَحم﴾ قَالَ: فَوَاتِحُ يُفْتَحُ بِهَا الْقُرْآنُ، قَالَ: قُلْتُ: إِنَّ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَذَا، وَكَذَا قَالَ: فَمَا إِلَّا أَنْ ذَكَرَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ مِنَ الْإِسْلَامِ بِمَنْزِلٍ، إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ مِنَ الْقُرْآنِ بِمَنْزِلٍ، كَانَ عُمَرُ يَقُولُ: "ذَاكُمْ فْتَى الْكُهُولِ إِنَّ لَهُ لِسَانًا سَؤُلًا، وَقَلْبًا عَقُولًا ". كَانَ يَقُومُ عَلَى مِنْبَرِنَا هَذَا، أَحْسَبُهُ قَالَ: عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَيَقْرَأُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ يُفَسِّرُهَا آيَةً، آيَةً، وَكَانَ مَثَجَّةً بَحْرًا غَرْبًا ".اهـ رضي الله عنه وأرضاه.
[٥] قوله "ينحدر"فيه الرد على نفاة علو الله على خلقه. وقوله "الأمر"بمعنى الوحي، كما في قوله تعالى (ألا له الخلق والأمر) والأمر كلامه جل وعلا، وفيه الرد على القائلين بخلق القرآن. وكان الإمام مالك يقول: كلام الله من الله وليس من الله شيء مخلوق .اهـ قال يحيى بن سلام في تفسيره: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾، يَعْنِي: يُنْزِلُ الْوَحْيَ، وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ .اهـ وقال يحيى أيضا: إِنَّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ مَسِيرَةَ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ، فَيَنْزِلُ مَسِيرَةَ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةً وَيَصْعَدُ مَسِيرَةَ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ فِي يَوْمٍ، وَفِي أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ، وَرُبَّمَا سَأَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الأَمْرِ يَحْضُرُهُ، فَيَنْزِلُ عَلَيْهِ فِي أَسْرَعِ مِنَ الطَّرْفِ .اهـ