﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ﴿٢٤﴾﴾
قوله تعالى (وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ[١٩])
6168 - قال الطبري 24/261:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ) قال: إن هذا القرآن غَيْبٌ، فأعطاه الله محمدا، فبذله وعلَّمه[٢٠] ودعا إليه، واللهِ ما ضَنَّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ ﴿٢٥﴾﴾
قوله تعالى (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ)[٢١]
6169 - جاء في تفسير ابن أبي حاتم:
عَنْ قَتَادَة فِي قَوْلِهِ (وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ) قَالَ: الرَّجِيم، الْمَلْعُون.
[١٩] عن مجاهد ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: 24] يَعْنِي بِبَخِيلٍ، يَقُولُ: «لَا يَضِنُّ عَلَيْكُمْ بِمَا يَعْلَمُ» .[تفسير آدم].اهـ وكذا قرأها ابن عباس رضي الله عنه. وقرأها عبد الله بن مسعود وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم بالظاء "ظنين". قال النخعي: الظنين: المتهم، والضنين: البخيل .[تفسير ابن منصور].اهـ وكذا قرأ سعيد بن جبير. وسئل ما الظنين؟: قال: المتهم .[تفسير الطبري].اهـ
[٢٠] قول قتادة رحمه الله عن نبي الله صلى الله عليه وسلم "فبذله وعلّمه ودعا إليه "جليل، وفيه الرد على المشاغبين. لم يحوج ربنا تبارك وتعالى خلقه لأحد من الناس، إنما أمرهم باتباع نبيه المصطفى وأصحابه المرضيين، فقال عز وجل (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا). وجعل الصحابة رضي الله عنهم هو الأصل الذي يقاس عليه. قال الله تعالى (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم). وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الفرقة الناجية فقال: "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي". بل ألزم الله خلقه الدعاء بأن يهديهم صراطهم وسبيلهم في صلاتهم، ومن ترك هذا الدعاء لا تصح له صلاة وكل هذا رحمة بهم. فعن عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) قَالَ: هُوَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَصَاحِبَاهُ مِنْ بَعْدِهِ. قَالَ عَاصِمٌ: فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلْحَسَنِ فَقَالَ: صَدَقَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَنَصَحَ» .[تـفسير ابن أبي حاتم].اهـ وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا أَتَاهُمُ الْعِلْمُ مِنْ قِبَلِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَأَكَابِرِهِمْ. فَإِذَا أَتَاهُمُ الْعِلْمُ مِنْ قِبَلِ أَصَاغِرِهِمْ، فَذَلِكَ حِينَ هَلَكُو ".[الزهد لابن المبارك].اهـ وعن أيوب بن كيسان السختياني: "أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِمُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ: لَا تُحَدِّثُونَا إِلَّا بِالْقُرْآنِ. فَقَالَ لَهُ مُطَرِّفٌ: وَاللَّهِ مَا نُرِيدُ بِالْقُرْآنِ بَدَلًا، وَلَكِنْ نُرِيدُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِالْقُرْآنِ مِنَّا " .[جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر].اهـ يريد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا خبر جليل، يحل كثيرا من المشاكل. وكان الأزواعي رحمه الله يقول: العلم ما جاء عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وما لم يجيء عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فليس بعلم " .[جامع بيان العلم وفضله].اهـ وقال إبراهيم بن يزيد النخعي: "لَمْ يُدَّخَر لَكُمْ شَيْءٌ خُبِّئَ مِنَ القَوْمِ لِفَضْلٍ عِنْدَكُمْ " .[جامع بيان العلم وفضله].اهـ قال صالح بن أحمد في مسائله 214: وسألته عن قول إبراهيم؟. قال [أحمد]: إن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخر عنهم .اهـ وسئل عبيدة السلماني عن آية من كتاب الله، فقال: "قَدْ ذَهَبَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْلَمُونَ فِيمَ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ " .[سنن ابن منصور 44].اهـ عبيدة هو ابن عَمْرو السلماني الفقيه الثبت. من أصحاب ابن مسعود رضي الله عنه أسلم قبل وفاة النَّبِي صلى الله عليه وسلم بسنتين، ولَمْ يلقه، يقول مثل هذا الكلام. فاعجب ممن يقول لك أنا سأفسّر القرآن وأنا أقول وأنا أرى وأنا وأنا .. وكأن الله تركنا هكذا لمن هب وذب. فاللهم لك الحمد على ما أنعمت به علينا وتفضلت، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
[٢١] قال الطبري: (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ) يقول تعالى ذكره: وما هذا القرآن بقول شيطان ملعون مطرود، ولكنه كلام الله ووحيه .اهـ وكان الإمام مالك يقول: "كلام الله من الله، وليس من الله شيء مخلوق ".