﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ﴿٧٦﴾﴾
قوله تعالى (فَلَمَّا جَنَّ[٢٤] عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ)
1224 - قال ابن أبي حاتم 7515:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، أَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ، ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: قَوْلَهُ: (فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الآفِلِينَ)، ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ مَا أَرَاهُ اللَّهُ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الآفِلِينَ، عَلِمَ أَنَّ رَبَّهُ دَائِمٌ لَا يَزُولُ[٢٥].
[٢٤] قوله تعالى (جنّ عليه الليل) أي غيّبه وستره.
[٢٥] ولم يقل قتادة: عَلِمَ أَنَّ رَبَّهُ دَائِمٌ لَا يَتحرك. وفي هذا الرد على الأشاعرة - و من قال بقولهم - في نفي قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى لأنها حوادث والمحدث لا يصلح أن يكون ربا. وقد ضلوا في ذلك ضلالا مبينا. جاء في "المعجم الرائد ": "أفل، يأفل، أفولا. أفل النجم: غاب". اهـ. وقد جاء في رواية محمد بن إسحاق كما عند الطبري "ثم نظر في السماء فرأى كوكبًا، قال: "هذا ربي"، ثم اتّبعه ينظر إليه ببصره حتى غاب، فلما أفل قال: "لا أحب الآفلين ".اهـ ففرق بين حركة النجم ومغيبه، وكذلك القمر والشمس يتحركان شيئا فشيئا ثم يغيبان، وهذا صريح جدا في بيان معنى الأفول ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون. يقول ابن تيمية في "الفتاوى 6/284 ": "إن هذا خلاف إجماع أهل اللغة والتفسير. بل هو خلاف ما علم بالاضطرار من الدين، والنقل المتواتر للّغة والتفسير. فإن الأفول: هو المغيب. يقال: أفلت الشمس تأفل، وتأفل أفولاً: إذا غابت. ولم يقل أحد قط إنه هو التغير، ولا أن الشمس إذا تغير لونها يقال إنها أفلت، ولا إذا كانت متحركة في السماء يقال إنها أفلت. ولا أن الريح إذا هبت يقال إنها أفلت. ولا أن الماء إذا جرى يقال إنه أفل. ولا أن الشجر إذا تحرك يقال إنه أفل. ولا أن الآدميين إذا تكلموا، أو مشوا، وعملوا أعمالهم يقال إنهم أفلوا. بل ولا قال أحد قط إن من مرض، أو اصفر وجهه، أو احمر يقال إنه أفل. فهذا القول من أعظم الأقوال افتراء على الله، وعلى خليل الله، وعلى كلام الله عز وجل، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم المبلغ عن الله، وعلى أمة محمد جميعاً، وعلى جميع أهل اللغة، وعلى جميع من يعرف معاني القرآن ". اهـ وهنا لفتة، وهي أن إبراهيم عليه السلام إنما نفى المحبة عند المغيب وليس عند الحركة، فلو جاء هؤلاء المبتدعة وقالوا لإبراهيم "ربنا لا يتحرك ولا تقوم به أفعال "لما أحبه إبراهيم عليه الصلاة والسلام. يقول ابن القيم في مدارج السالكين 3/332 ": "فحقيقة المحبة والإنابة والتوكل ومقام الإحسان، ممتنع على المعطل امتناع حصول الْمَغَلّ من مُعَطِّلِ البذر، بل أعظم امتناعا. وكيف تأله القلوب من لا يسمع كلامها، ولا يرى مكانها، ولا يُحِبُّ و لا يُحَب، ولا يقوم به فعل البتة، ولا يتكلم ولا يكلم، ولا يقرب من شيء ولا يقرب منه شيء، ولا يقوم به رحمة ولا رأفة ولا حنان، ولا له حكمة ولا غاية يفعل ويأمر لأجلها؟!. فكيف يتصور التوكل على ذلك، ومحبته، والإنابة إليه، والشوق إلى لقائه، ورؤية وجهه الكريم في جنات النعيم، وهو غير مستو على عرشه فوق جميع خلقه؟!. أم كيف تأله القلوب من لا يُحِبُّ ولا يُحَب، ولا يرضى ولا يغضب، ولا يفرح ولا يضحك؟!. فسبحان من حال بين المعطلة وبين محبته، ومعرفته، والسرور والفرح به، والشوق إلى لقائه، وانتظار لذة النظر إلى وجهه الكريم، والتمتع بخطابه في محل كرامته ودار ثوابه ".اهـ وهذا كلام جليل غاية.