﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿١٨﴾﴾
قوله تعالى (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ)
5622 - قال يحيى بن سلام:
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ (وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) قَالَ: السِّرُّ مَا حَدَّثْتَ بِهِ نَفْسَكَ، وَأَخْفَى مِنْهُ مَا هُوَ كَائِنٌ مِمَّا لَمْ تُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَك.
قوله تعالى (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)
5623 - قال عبد الرزاق في تفسيره:
أنا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿الْعَزِيزُ﴾ [الحشر 23] فِي نِقْمَتِهِ إِذَا انْتَقَمَ. ﴿الْحَكِيمُ﴾ [سبأ 1] فِي أَمْرِهِ.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا ﴿١﴾﴾
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ[١] وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ[٢])
5624 - قال عبد الرزاق ٣٢٣٠:
عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] قَالَ: «إِذَا طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضِ لِغَيْرِ جِمَاعٍ. قُلْتُ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: «إِذَا طَهُرَتْ فَطَلِّقْهَا قَبْلَ أَنْ تَمَسَّهَا، فَإِنْ بَدَا لَكَ أَنْ تُطَلِّقَهَا أُخْرَى تَرَكْتَهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ طَلَّقْتَهَا إِذَا طَهُرَتِ الثَّانِيَةَ، فَإِنْ أَرَدْتَ طَلَاقَهَا الثَّالِثَةَ أَمْسِكْهَا حَتَّى تَحِيضَ، فَإِذَا طَهُرَتْ طَلَّقْتَهَا الثَّالِثَةَ، ثُمَّ تَعْتَدُّ حَيْضَةً وَاحِدَةً ثُمَّ تَنْكِحُ إِنْ شَاءَتْ».
5625 - وقال الطبري 23/434:
حدثنا بشر، قال ثنا يزيد، قال بشر، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) والعدة: أن يطلقها طاهرًا من غير جماع تطليقة واحدة.
5626 - وقال الطبري 23/436:
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: "طلّق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة بنت عمر تطليقة، فأُنزلت هذه الآية: (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) فقيل: راجعها فإنها صوّامة قوّامة، وإنها من نسائك في الجنة".
قوله تعالى (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ)[٣]
5627 - قال الطبري 23/438:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ) وذلك إذا طلقها واحدة أو ثنتين لها ما لم يطلقها ثلاثًا.
قوله تعالى (وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ)
5628 - قال الطبري 23/440:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) قال: إلا أن يطلقها على نشوز[٤]، فلها أن تحوّل من بيت زوجها.
قوله تعالى (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ[٥] لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا[٦])
5629 - قال عبد الرزاق ٣٢٣٧:
عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّ اللَّهُ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] قَالَ: «هَذَا فِي مُرَاجَعَةِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ».
5630 - وقال الطبري 23/442:
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) قال: يراجعها في بيتها هذا في الواحدة والثنتين[٧]، هو أبعد من الزنى.
[١] يقول سعيد بن منصور في التفسير2234: حدَّثنا سفيانُ، عن ابن جريج، قال: سمعتُ مجاهدا يقول: "فطلقوهن لقبل عدتهن". قال [سفيان بن عيينة]: وما سمعته قال في شيء: "سمعت مجاهدا"إلا في هذا الحرف .اهـ وهي قراءة ابن عباس رضي الله عنه.
[٢] عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، قال: طاهرا من غير جماع .[تفسير ابن منصور].اهـ وعن مجاهد: أن رجلا سأل ابن عباس فقال: إنه طلق امرأته مئة، فقال: عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، ولم تتق الله فيجعل لك مخرجًا، وقرأ هذه الآية: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا)، وقال: (يا أَيُّهَا الْنَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ الْنِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهنَّ).اهـ وكان ابن عباس يقول: "طلاق السنة طاهرًا من غير جماع، وفي كلّ طهر، وهي العدة التي أمر الله بها ".اهـ وعن طاوس بن كيسان فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١] قَالَ: «إِذَا أَرَدْتَ الطَّلَاقَ فَطَلِّقْهَا حِينَ تَطْهُرُ، قَبْلَ أَنْ تَمَسَّهَا تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً، وَلَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَزِيدَ عَلَيْهَا حَتَّى تَخْلُوَ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ، فَإِنَّ وَاحِدَةً تُبِينُهَا، هَذَا طَلَاقُ السُّنَّةِ» .[تفسير عبد الرزاق].اهـ ثلاثة قروء أي ثلاثة حيض، والتي لا تحيض ثلاثة أشهر عربية. وعن السدي قال: طاهرًا في غير جماع، فإن كانت لا تحيض، فعند غرّةِّ كل هلال .اهـ وعن محمد بن سيرين في قوله: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) قالَ: يطلقها وهي طاهر من غير جماع، أو حَبل مستبين حملها .[تفسير الطبري].اهـ
[٣] عن سعيد بن المسيب أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلرَّجُلِ إِلَّا بَيْتٌ وَاحِدٌ فَلْيَجْعَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا سِتْرًا فيَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا إِذَا كَانَتْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ» .[تفسير عبد الرزاق].اهـ وقال الضحاك: ليس لها أن تخرج إلا بإذنه، وليس للزوج أن يخرجها ما كانت في العدّة، فإن خرجت فلا سُكْنى لها ولا نفقة .[تفسير الطبري].اهـ
[٤] كذا قال الضحاك: هو عصيان الزوج، تعصيه فتخرج في عدتها .[تفسير ابن منصور].اهـ وروي عن ابن عمر رضي الله عنه قال: خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة .اهـ وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: الفاحشة هي المعصية .اهـ وقيل الفاحشة هي الزنى. فعن صالح بن مسلم، قال: سألت عامرًا [الشعبي] قلت: رجل طلق امرأته تطليقة أيخرجها من بيتها؟ قال: إن كانت زانية .اهـ وعن مجاهد ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: 19] قَالَ: "يَقُولُ: إِلَّا أَنْ يَزْنِينَ فَيَخْرُجْنَ لِلرَّجْمِ " .[تفسير آدم بن أبي إياس].اهـ وكذا قال الحسن البصري .[تـفسير الطبري].اهـ
[٥] عن الضحاك بن مزاحم في قول الله (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) يقول: تلك طاعة الله فلا تعتدوها .[تفسير الطبري].اهـ
[٦] عن فاطمة بنت قيس فِي قَوْلِهِ: (لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) قالت: لَعَلَّهُ يَرْغَبُ فِي رَجْعَتِهَا .[تفسير ابن أبي حاتم].اهـ وقال ابن زيد: لعلّ الله يحدث في قلبك تراجع زوجتك؛ قال: ومن طلق للعدّة جعل الله له في ذلك فسحة، وجعل له مِلكًا إن أراد أن يرتجع قبل أن تنقضي العدّة ارتجع .[تفسير الطبري].اهـ
[٧] فإن طلقها الثالثة فقد بانت منه. واختلفوا هل لها سكنى ونفقة أم لا. يقول الترمذي في جامعه 1180: حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ: طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلَاثًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا سُكْنَى لَكِ وَلَا نَفَقَةَ»، قَالَ مُغِيرَةُ: فَذَكَرْتُهُ لِإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: قَالَ عُمَرُ: «لَا نَدَعُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَا نَدْرِي أَحَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ»، وَكَانَ عُمَرُ يَجْعَلُ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةَ .اهـ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَنْبَأَنَا حُصَيْنٌ، وَإِسْمَاعِيلُ، وَمُجَالِدٌ، قَالَ هُشَيْمٌ: وَحَدَّثَنَا دَاوُدُ أَيْضًا، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، فَسَأَلْتُهَا عَنْ قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيهَا، فَقَالَتْ: طَلَّقَهَا زَوْجُهَا البَتَّةَ، فَخَاصَمَتْهُ فِي السُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سُكْنَى وَلَا نَفَقَةً. وَفِي حَدِيثِ دَاوُدَ قَالَتْ: «وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ». هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ، مِنْهُمُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَقَالُوا: لَيْسَ لِلْمُطَلَّقَةِ سُكْنَى وَلَا نَفَقَةٌ، إِذَا لَمْ يَمْلِكْ زَوْجُهَا الرَّجْعَةَ. وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، مِنْهُمْ عُمَرُ، وَعَبْدُ اللَّهِ: إِنَّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الكُوفَةِ. وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: لَهَا السُّكْنَى وَلَا نَفَقَةَ لَهَا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَالشَّافِعِيِّ. وقَالَ الشَّافِعِيُّ: "إِنَّمَا جَعَلْنَا لَهَا السُّكْنَى بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1] "، قَالُوا: هُوَ البَذَاءُ، أَنْ تَبْذُوَ عَلَى أَهْلِهَا، وَاعْتَلَّ بِأَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم السُّكْنَى، لِمَا كَانَتْ تَبْذُو عَلَى أَهْلِهَا، قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَلَا نَفَقَةَ لَهَا لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي قِصَّةِ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ» .اهـ فإن طلقها وهي حامل فعليه النفقة حتى تضع قولا واحدا.