الصانع ضامن والثانية أنه مصدق، ووجه الرواية الأولى أن التعدي سبب للضمان فوجب أن يثبت حكمه بالتهمة في حق الصانع أصل ذلك المغيب عليه، ووجه الرواية الثانية ما أشار إليه مالك أن التعدي لا يثبت بالدعوى ومعنى ذلك أن التلف ظاهر وهو تبرؤ من سبب الضمان الذي هو المغيب على المصنوع، وهذا فيما أشكل وجه سببه، وتيقن السبب كالحرق وقرض الفأر، وأما إذا أشكل السبب نفسه فلم يعلم هل هو قرض فأر أو غيره ففي المدونة في الفأر يقرض الثوب عند القصار قال مالك: ومن يعلم في مسألتك أن الفأر قرضه يضمن القصار حتى يقوم ببينة أن الفأر قرضه، وقال في الموازية ويتبين ذلك للناظر إليه قال في المدونة من غير تضييع فلا يضمن، وقال في الموازية في قرض الفأر ولحس السوس، وإن أشكل ذلك فالصانع ضامن حتى تقوم بينة أنه قرض فأر، أو لحس سوس ولم يكن ضيع ففي هذا الوجه قول مالك وهو الضمان والله أعلم.
(مسألة) :
وإذا جعل الخياط وجه الثوب إلى داخل فإنه يفتقه ويعيده فإن كان الفتق ينقصه خير ربه بين أن يضمنه قيمته يوم قبضه، أو يأمره بفتقه وإعادة خياطته قال سحنون في كتاب ابنه، ووجه ذلك أن هذا عمل ينقصه ويمنع لباسه على الوجه المعتاد من مقصود الجمال وهو مما يستطاع تغييره واستدراكه فإن كان ذلك لا ينقص الثوب لزمه استدراكه وإزالة ما دخل من الفساد فيه، وإن كان ذلك ينقصه فعلى ما تقدم من التخيير؛ لأن صاحب الثوب دفع النقص عن نفسه والله أعلم.
(مسألة) :
وإذا أخرج القصار الثوب أسود رديئا فقد قال سحنون في كتاب ابنه عليه أن يعيده حتى يجوده فإن كان رده يفسده بأن يسترخي وينكس وجهه وخيف أن يحترق فلا يرده وينظر فإن أفسده بذلك فسادا بينا ضمن قيمته أسمر يريد عندي يوم قبضه خاما، وإن كان الفساد يسيرا أعطاه ربه قيمة العمل الرديء قال الشيخ أبو محمد ما لم يجاوز شرطه، ووجه ذلك أن استدراك تبييضه إذا أمكن من غير إفساد الثوب لزمه عمله؛ لأن عمله الأول الذي استؤجر عليه لم يتمه بعد فعليه إتمامه، وإن كان لا يتم ذلك إلا بإفساد الثوب فهو مخير بين أن يضمنه قيمته، أو يأخذه على ما هو عليه، وقال في الفساد الكثير يضمنه قيمته ومعنى ذلك عندي إن شاء أن يضمنه، وقال في الفساد اليسير أن له أن يدفع إليه قيمة العمل الرديء ولم يجعل له خيارا في تضمينه القيمة وهو الصواب إن شاء الله تعالى.
(مسألة) :
وإذا كيل القمح على الطحان وأسلم إليه فقد قال ابن القاسم هو ضامن له قال مالك أرجو أن يكون تضمينه خفيفا، ووجه ذلك أنه إن كان حكمه حكم الصناع وهو الأظهر فهو ضامن للطعام وغيره، وإن كان حكمه حكم الحمالين فهو ضامن أيضا؛ لأن الحمال المنفرد لحمل الطعام هو ضامن له.
(فرع)
إذا ثبت أنه ضامن فقد قال ابن القاسم يعطى قدر ما نقص دقيقا على ما يعرف الناس يريد أنه أخذه بالكيل فيعطى من كيل الدقيق ما يعلم الناس أنه ينتهي إليه بالطحن ما نقص من القمح وللطحان الأجرة كاملة، وقال ابن المواز عليه قمح مثله وهو قول مالك في العتبية من رواية ابن القاسم عنه، وجه القول الأول أنه قد استؤجر على طحن القمح ولا يتعين بالإجارة على هذا الأصل فعليه أن يأتي بقمح مثله ويطحنه وتكون له الأجرة وعلى قول ابن المواز يضمن قمحا مثله ولا يكون عليه طحنه وسقط من الأجرة بقدره؛ لأن الإجارة اختصت بتلك العين لاختلاف القمح في الطحن، أو لأن الضياع جاء من قبل الطحان والله أعلم.
(فرع)
وإذا طحن الطحان القمح على النقش فأفسده بالحجارة ففي الموازية والعتبية من رواية أصبغ عن أشهب عليه قمح مثله، وقال به أصبغ.
(مسألة) :
وإذا أفسد الحائك الثوب قال ابن حبيب يضمن الغزل قال ابن القاسم إن وجد مثل الغزل الحائك أتاه به وعليه عمله وإن تعذر مثله فعليه قيمته