تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان عليه ما لا تبدو عورته مع فعله على أنه لو لم يصح الجمع بينهما لكان حديث الزهري أولى لأن روايته أثبت وأخذ الجماعة به واتصال العمل به دليل على صحته وبقاء حكمه وإن كان أحدهما ناسخا للآخر فخبر الإباحة هو الناسخ للإجماع بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - على جوازه.

(ص) : (مالك عن يحيى بن سعيد أن عبد الله بن مسعود قال لإنسان إنك في

زمان كثير فقهاؤه قليل قراؤه تحفظ فيه حدود القرآن وتضيع حروفه قليل من يسأل كثير من يعطي يطيلون فيه الصلاة ويقصرون فيه الخطبة يبدؤن أعمالهم قبل أهوائهم وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه كثير قراؤه تحفظ فيه حروف القرآن وتضيع حدوده كثير من يسأل قليل من يعطي يطيلون فيه الخطبة ويقصرون الصلاة يبدؤن فيه أهواءهم قبل أعمالهم) .

(ش) : قوله إنك في زمان كثير فقهاؤه قليل قراؤه لم يرد بذلك عبد الله بن

مسعود أن من يقرأ القرآن كان قليلا في زمانه وإنما أراد أن من يقرأ القرآن فيكون حظه منه قراءته دون الفقه فيه قليل لأن عبد الله بن مسعود إنما قصد إلى مدح الزمان الذي كان فيه وهو عصر الصحابة - رضي الله عنهم - والثناء عليهم بكثرة الفقهاء والعلماء وجل فقه أهل ذلك العصر إنما كان من القرآن والاستنباط منه ولم يكونوا أهل كتاب ولا دواوين ولا ضمنوا القراطيس العلم وإنما كان علمهم في صدورهم واستنباطهم من محفوظهم ومحال أن يستنبط من القرآن من لا يحفظه وأصل الفقه ومعظمه كتاب الله تعالى الذي ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه﴾ [فصلت: 42] وهو الذي قال فيه تعالى ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء - ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء﴾ [النحل: 38 - 89] فمحال أن يوصف بالفقه والعلم والتقدم في الدين من لا يقرأ القرآن مع ما علم من حال الصحابة - رضي الله عنهم - في اقتصارهم في العلم على القرآن ولا يجوز أن يقصد عبد الله بن مسعود مع فضله ومحله من تلاوة القرآن وكونه أحد الأئمة فيه إلى أن يمدح زمن الصحابة وصدر الأمة بقلة القرآن فيه لأن أهل ذلك العصر كانوا ألهج الناس بتلاوة القرآن وتلقيه من الركبان وتدارسه والعمل به وكان ذلك منهم لما رأوا من تفضيل النبي - صلى الله عليه وسلم - من تعلم القرآن وعلمه وتقديمه في اللحد من كان أكثر أخذا للقرآن ودعائه أصحابه في مواطن الشدائد أين أصحاب البقرة بأفضل ما يدعون به حضا لهم على الرجوع وتذكيرا لهم بأن هذه الصفة من أفضل صفات المؤمنين التي يجل عن الفرار صاحبها ولا يدعو بذلك واحدا ولا اثنين لأنه لا ينتفع بهم وإنما يدعو بمثل ذلك العدد الكثير ومعلوم في العادة أنه لا يكاد أن يكون من أصحاب سورة البقرة إلا من قرأ القرآن كله وأكثره وإنما ثبت بما ذكرناه أن تلاوة القرآن وحفظه من أفضل المناقب وأرفع المراتب وأنه مما لا يجوز أن يعاب به أحد فيجب أن يحمل قوله على ما يليق به من العلم وحسن الظن فيجعل مدحه لزمان الصحابة بكثرة الفقهاء وقلة القراء على أنه أراد به أن ممن يقرأ القرآن فيه ولا يفقهه قليلا وأن الفقهاء فيه من قراء القرآن المستنبطين الأحكام منه كثير وهذا هو المعلوم من حال الصحابة - رضي الله عنهم - وحشرنا معهم.

(فصل) :

وقول عبد الله تحفظ فيه حدود القرآن وتضيع حروفه من قبيل ما ذكرناه قبل هذا وأنه لا يجوز حمله على إطلاقه لما عرف من حال عبد الله بن مسعود القائل لذلك وحال الصحابة الموصوفين بذلك لأن ترك الحروف لا يخلو أن يريد بها حروف القرآن من ألف ولام وميم وغير ذلك من حروف التهجي أو يريد به لغاته وفي تضييع أحد الأمرين على الإطلاق منع من تحفظه وإطراح تلاوته وهذا ما لا يستجيزه مسلم أن يؤم به أحدا من الصحابة الذين وصفهم الله بأنهم خير أمة أخرجت للناس فإذا ثبت أن عبد الله بن مسعود لا يجوز أن يمدح الزمان بتضييع حروف القرآن

المنتقى شرح موطأ · الجزء ١ · الصفحة ٣٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المنتقى شرح موطأج ١ · ص ٣٠٨