والآخر بمعنى التوفيق قال الله عز وجل ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من﴾ [القصص: 56] معناه والله أعلم لا توفق من أحببت، ولكن الله يوفق من يشاء ولا يجوز أن يريد به هاهنا الإرشاد والإيضاح؛ لأنه لا خلاف بين المسلمين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أرشد وبين وأوضح وبلغ من يحب ومن لا يحب، وأما الفتنة فمعناها في كلام العرب الاختبار إلا أنها مستعملة في عرف التخاطب بمعنى الخذلان، يقال فتن فلان إذا أخذل وضل وفلان مفتون، ويدل على صحة هذا التأويل أنه قال الهادي بمعنى الموفق فمعناه والله أعلم أنه الموفق بفضله، والخاذل لمن شاء بعدله لا إله إلا هو الفعال لما يريد.
(ص) : (مالك عن عمه أبي سهيل بن مالك أنه قال كنت أسير مع عمر بن عبد
العزيز فقال ما رأيك في هؤلاء القدرية قال فقلت رأيي أن تستتيبهم فإن قبلوا وإلا عرضتهم على السيف، فقال عمر بن عبد العزيز وذلك رأيي قال مالك وذلك رأيي)
(ش) : قول عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - ما رأيك في هؤلاء القدرية
اختلف أهل العلم فيما سموا به قدرية، فقال قوم من أهل العلم سموا بذلك لأنهم نفوا القدر كما سمي داود بن علي الأصبهاني القياسي لأنه نفى القياس.
وقال قوم سموا بذلك لأنهم ادعوا أن لهم قدرة على خلق أفعالهم، ونفوا قدرة الباري سبحانه عليها قال عبد الملك بن الماجشون: ويدعي القدري أن الأمر إليه، وأنه ما شاء فعل وأنه يريد أن يعصي، وأن الله تعالى يريد أن يطيع فيكون ما أراد هو، ولا يكون ما أراد الله عز وجل وأما المعتزلة فهم طائفة من القدرية، واختلف العلماء في تسميتهم بذلك فقالت طائفة سميت بذلك؛ لأن عمرو بن عبيد كان يلزم مجلس الحسن البصري ثم أنه قال بالقدر ومعان خالف فيها الحسن، ثم اعتزل هو ومن تبعه مجلس الحسن، فسموا بذلك معتزلة، وقيل أن الصحابة - رضي الله عنهم - كان جميعهم على مذهب أهل السنة يقولون أن المذنبين من المؤمنين في المشيئة، ثم حدث الخوارج فكفروا بالذنوب، ثم حدثت المعتزلة فاعتزلوا الطائفتين بأن قالوا إن المرتكب للكبائر ليس بمؤمن ولا كافر، وإنما هو فاسق لكنه مخلد في النار.
وأما المرجئة قال ابن حبيب هم الذين يدعون أن الإيمان قول بلا عمل يريدون أن بنفس الإيمان وهو التصديق يستحق النجاة من النار ودخول الجنة، وإنما مذهب أهل السنة أن الإيمان قول وعمل، يريدون أن الإيمان الذي يستحق به النجاة من النار ودخول الجنة، فسموا الأعمال إيمانا وهي في الحقيقة شرائع الإيمان التي تنجي من النار بامتثال ما أمر الله تعالى به منها، والإيمان في الحقيقة هو التصديق لكنه من وجد منه الإيمان دون شرائعه فلا يقطع بأنه ينجو من النار، وإنما يقطع بأنه يدخل الجنة إما بأن يغفر الله له ابتداء فيدخله الجنة أو يعاقبه على ترك العمل، ثم يدخله الجنة بفضل رحمته، قال الله عز وجل ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: 48] فهذا معنى قول أهل السنة إن الإيمان قول وعمل.
(فصل) :
وقوله وأرى أن تستتيبهم فإن تابوا وإلا قتلوا، قال ابن المواز قال مالك وأصحابه في القدرية أرى أن يستتابوا فإن تابوا، وإلا قتلوا وهو قول عمر بن عبد العزيز قال ابن القاسم عن مالك في الإباضية والحرورية وأهل الأهواء كلهم يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا إذا كان الإمام عدلا، وذهب ابن حبيب إلى أنهم من الخوارج.
وقال ابن حبيب يستتاب سائر الخوارج والإباضية والصفرية والقدرية والمعتزلة ويستتاب المرجئة الذين يقولون إن الإيمان قول بلا عمل.
وأما الشيعة منهم فمن أحب منهم عليا ولم يغل فهذا ديننا، ومن غلا إلى بغض عثمان والبراءة منه أدب أدبا شديدا، ومن زاد غلوه إلى بغض أبي بكر وعمر مع عثمان وشتمهم فالعقوبة عليه أشد، ويكرر ضربه ويطول سجنه حتى يموت، ولا يبلغ به القتل إلا في سب النبي - صلى الله عليه وسلم - أو غيره من الأنبياء، وأما من تجاوز منهم