وإن كانت هذه واردة في التوراة فإن شرع من قبلنا لازم لنا إذا ورد في القرآن أو حديث صحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى نسخه، وقد احتج مالك في أن الأب يستأمر ابنته في إنكاحها بقوله تعالى في سورة القصص ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين﴾ [القصص: 27] ، ولم يذكر استئمارا، ودليلنا من جهة القياس أن كل شخصين جرى بينهما القصاص في الأنفس فإنه يجري بينهما في الأطراف كالحرين.
(فصل) :
وقوله وإذا قتل العبد عبدا عمدا خير سيد العبد فإن شاء قتل يريد العبد القاتل، وإن شاء أخذ العقل يريد أنه إن شاء عفا عن القتل فيكون سيد القاتل بالخيار بين أن يدفع إليه قيمة عبده المقتول؛ لأنه الذي أتلف عليه أو يسلم إليه العبد الجاني؛ لأنه ليس عليه أكثر من ذلك.
وقال الشافعي سيد الجاني مخير بين أن يفتدي بأرش الجناية أو يسلمه بالبيع فإن كان ثمنه قدر أرش الجناية كان الباقي لسيد الجاني، والدليل على ما نقوله أنه لا يخلو أن تكون الجناية متعلقة بمال السيد أو رقبة العبد، ولا يجوز أن تتعلق بمال السيد؛ لأن ذلك يوجب أخذها من جميع ماله فلم يبق إلا أن تتعلق برقبة العبد، وذلك يوجب استحقاق رقبته؛ لأن ذلك معنى تعلقها برقبة العبد وانتقالها إليه، وقول الشافعي يخرج على ما ذكر بعد هذا مالك في جناية العبد على اليهودي أو النصراني، ولعلها رواية.
(ص) : (قال مالك في العبد المسلم يجرح اليهودي أو النصراني أن سيد العبد
إن شاء أن يعقل عنه ما قد أصاب فعل أو أسلمه فيباع فيعطي اليهودي أو النصراني من ثمن العبد أو ثمنه كله إن أحاط بثمنه، ولا يعطي اليهودي ولا النصراني عبدا مسلما) .
(ش) : وهذا على ما قال إن العبد إذا جرح الكتابي فتعذر القصاص؛ لأنه لا
يعقل مسلم وإن كان عبدا بكافر وإن كان حرا، رواه يحيى بن يحيى عن ابن القاسم، ولو قتله الذمي فقد اختلف فيه قاله ابن المواز عن ابن القاسم قال، وأحب إلي أن يقتل به، ورواه يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في العتبية.
وقاله أشهب، وقال ابن المواز، وقد قال ابن القاسم أيضا يضرب ولا يقتل، وقاله أصبغ، وقال سحنون إنما عليه قيمته كسلعة، وروى ابن المواز عن مالك ليس بين العبد المسلم والذمي قود في نفس ولا جرح؛ لأن في هذا حرية، وفي هذا إسلاما.
(فصل) :
وقوله فإن لسيده أن يعقل يريد أن يودي عقل الجرح إن شاء فإن أبى من ذلك وأسلمه فقد قال هاهنا إنه يباع فيعطى من الثمن عقل الجرح فإن قصر عن العمل فليس لليهودي والنصراني غير ثمنه، وإن زاد على العمل أعطي منه قدر العقل قال ابن مزين سألته يريد عيسى بن دينار عن قول في هذه المسألة أخطأ هو في الكتاب أم ما معناه قال ابن القاسم هو خطأ في الكتاب، وقد كان يقرأ مالك فلا يغيره، وإنما الأمر فيه إذا أسلمه سيده بيع فأعطي الكتابي أو غيره ممن على غير الإسلام عن جميع العبد كائنا ما كان، وإن كان أكثر من الدية، وهو قول مالك، وهذا الذي أنكره ابن القاسم يحتمل أن يكون رواية عن مالك قديمة، ثم رجع منها إلى ما سمعه منه ابن القاسم، واستصوبه، ولذلك لم يكن تغير في كتابه لما كان قد طار عنه، وشاع مع احتماله، وقد أخذ الشافعي بهذه الرواية الثانية التي في الموطأ، والله أعلم وأحكم؛ لأن التعليل في آخر المسألة يمنع هذا القول، وهو قوله ولا يعطي اليهودي والنصراني عبدا مسلما؛ لأنه إذا منع الإسلام من أن يدفع إليه وجب أن يباع عليه ويدفع إليه جميع ثمنه لو ابتاعه أو ورثه أو أسلم عنده، وأما إذا لم يدفع إليه منه إلا قدر أرش جنايته فهذا يقتضي أنه لم يبع عليه، وإنما بيع ليوفي أرش جناية استحق، وأما الاستحقاق فلم يتعلق بعينه، ولا حكمه فيجب أن يكون هذا حكمه لو كان نصرانيا جرح نصرانيا أو كان مسلما جرح مسلما، والله أعلم وأحكم.