كالسعي بين الصفا والمروة والوقوف بعرفة والمزدلفة فهذا يجوز أن يفعله عن نفسه ولغيره في مرة واحدة؛ لأنه عمل لا يفتقر إلى الطهارة ولا يتعلق بالبيت كالحمل إلى منى وعرفة.
(ص) : (مالك عن إبراهيم بن أبي عبلة عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذلك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر قيل: وما رأى يوم بدر يا رسول الله؟ قال: أما إنه رأى جبريل يزع الملائكة» ) .
(ش) : قوله - صلى الله عليه وسلم - ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر
يحتمل أن يريد الصغار والخزي والذل ويحتمل أن يريد به تضاؤله وصغر جسمه وأن ذلك يصيبه عند نزول الملائكة وإغضاب نزولها له وقوله ولا أحقر يحتمل الوجهين المتقدمين في أصغر وقوله ولا أغيظ من الغيظ الذي يصيبه في يوم عرفة.
(فصل) :
وقوله وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام يحتمل أن يكون منزل الرحمة التي يراها أنه يرى الملائكة ينزلون على أهل عرفة قد عرف الشيطان أنهم لا ينزلون إلا عند الرحمة لمن ينزلون عليه ولعل الملائكة يذكرون ذلك أما على وجه الذكر بينهم أو على وجه الإغاظة للشيطان لعنه الله ويخلق الله للشيطان إدراكا يدرك به نزولهم ويدرك به ذكرهم لذلك ولعله يسمع منهم إخبارهم بأن الله تعالى قد تجاوز لأهل الموقف عن جميع ذنوبهم وعما يوصف بالعظم منها ويحتمل أن ينص على ذلك ويحتمل أن يخبر به عنه بخبر يفهم منه المعنى وإن لم ينص على نفس المعصية سترا من الله تعالى على عباده المغفور لهم.
(فصل) :
وقوله - صلى الله عليه وسلم - «إلا ما رأى يوم بدر وذكر أنه رأى الشيطان جبريل - عليه السلام - يزع الملائكة» يعني والله أعلم يمنعها مما أمر أن يمنعها منه ويقتضي ذلك أن تكون ملائكة نزلت بالرحمة على أهل بدر مع النصر الذي نصرهم الله به على أعدائهم وكان الشيطان أدركه الصغار والغيظ يوم بدر لما رأى من الرحمة مع النصر ويحتمل أن يكون ذلك أصابه لما رأى من النصر وإن لم يدرك معنى الرحمة التي أنزلت عليهم فأدركه الصغار والغيظ لما رأى من ظهور الإيمان وغلبة الحق.
(ص) : (مالك عن زياد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عياش المخزومي عن طلحة
بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له» ) .
(ش) : قوله - صلى الله عليه وسلم - أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة يريد - صلى
الله عليه وسلم - أنه أكثر ثوابا للداعي وأقرب إلى الإجابة فإن الفضل للداعي إنما هو في كثرة الثواب وكثرة الإجابة.
(فصل) :
وقوله - صلى الله عليه وسلم - أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له يريد والله أعلم أنه أكثر ثوابا من غيره من الأذكار ويحتمل أن يريد أنه أفضل ما دعا إليه إلا أن الأول أظهر؛ لأنه أورد ذلك في تفضيل الأذكار بعضها على بعض ويحتمل أن يخص هذا الدعاء بأنه أفضل ما دعا به هو والنبيون قبله يعني أن الأنبياء - صلوات الله عليهم - يدعون بأفضل الدعاء ويهدون إليه فإذا كان أفضل دعائهم فهو أفضل الدعاء.
(ص) : (مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك «أن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر فلما نزعه جاءه رجل فقال له: يا رسول الله ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اقتلوه» قال مالك: ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ محرما والله أعلم) .