السلطان عن العودة ووجه ذلك أن هذه أمور لها قدر فيحتاط لها بأن لا يحكم فيها إلا من قام بالولاية العامة؛ لأن ذلك لا يكون إلا بعد معرفة الإمام بأحواله التي تقتضي ذلك له أو يؤمن في الأغلب أمره أو من قدمه الإمام أو الحاكم لمعنى يختص به في ضرورة داعية إليه، والله أعلم.
القضاء في شهادة الصبيان
(ص) : (قال يحيى قال مالك عن هشام بن عروة أن
عبد الله بن الزبير كان يقضي بشهادة الصبيان فيما بينهم من الجراح قال مالك الأمر المجتمع عليه عندنا أن شهادة الصبيان تجوز فيما بينهم من الجراح، ولا تجوز على غيرهم، وإنما تجوز شهادتهم فيما بينهم من الجراح وحدها لا تجوز في غير ذلك إذا كان ذلك قبل أن يتفرقوا أو يخببوا أو يعلموا فإن افترقوا فلا شهادة لهم إلا أن يكونوا قد أشهدوا العدول على شهادتهم قبل أن يفترقوا)
(ش) : قوله: إن عبد الله بن الزبير كان يقضي بشهادة الصبيان فيما بينهم
من الجراح، وهو قول أهل المدينة، وبه قال علي بن أبي طالب ومعاوية ومن التابعين سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز ومنع من ذلك أبو حنيفة والثوري والشافعي.
وروي ذلك عن ابن عباس.
وقال مالك معناه عندنا في شهادتهم على الكبار وروى وكيع عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة ما رأيت القضاة أخذت إلا بقول ابن الزبير والدليل على ما ذهب إليه علي ومن تابعه ما احتج به شيوخنا من أن الدماء يجب الاحتياط لها والصبيان في غالب أحوالهم ينفردون في ملاعبهم حتى لا يكاد أن يخالطهم غيرهم، ويجري بينهم من اللعب والترامي ما ربما كان سببا للقتل والجراح فلو لم يقبل بينهم إلا الكبار، وأهل العدل لأدى ذلك إلى هدر دمائهم وجراحهم فقبلت شهادتهم بينهم على الوجه الذي يقع على الصحة في غالب الحال وسنبينه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
(فرع)
إذا ثبت ذلك ففي ذلك ثلاثة أبواب
الباب الأول في ذكر من تجوز شهادته منهم
والباب الثاني في تبيين الحالة التي تجوز عليها شهادتهم.
والباب الثالث في حكم من تجوز شهادتهم.
الباب الأول في ذكر من تجوز شهادته من الصبيان
اتفق أصحاب مالك على أنها تجوز شهادتهم فيما دون القتل من الجراح واتفقوا على أنها لا تجوز في الحقوق قال سحنون: إنما أجزتها في الجراح، ولم أجزها في الحقوق للضرورة؛ لأن الحقوق يحضرها الكبار، ولا يحضرون في جراح الصغار في الأغلب، ولو حضرها كبير لم تجز شهادتهم قيل له فيلزمك على هذا الغصب أن يغصب بعضهم بعضا ثوبا قال غيره قد يقبل في الدماء ما لا يقبل في الأموال احتياطا للدماء.
(مسألة) :
واختلف أصحابنا في جوازها في القتل فروى ابن القاسم عن مالك في كتاب ابن سحنون أنها تجوز بينهم في القتل ومنع من ذلك أشهب وجه قول مالك أن شهادتهم إنما أجيزت للاحتياط للدماء، ولذلك لم تجز في الحقوق،
والاحتياط للنفوس أعظم من الاحتياط للجراح
فإذا لم تتكرر لكثرة لعبهم وتراميهم بالحجارة وغيرها فإنما جوز للضرورة فيما يكثر بينهم مما انفردوا به دون ما يقل، ويندر، ولذلك لم يجز في الحقوق والغصب فإنه يقل بينهم، ويندر حال انفرادهم.
(فرع)
فإذا جوزت في القتل فقد قال غير واحد من أصحاب مالك: لا يجوز فيه حتى يشهد العدول على رؤية البدن مقتولا وجه ذلك أنها شهادة أجيزت للضرورة فلا تثبت إلا بثبوت أصلها وما يتعلق فيه شهادة العدول كشهادة النساء على الاستهلال والقتل.
(مسألة) :
ومن ذا الذي تجوز شهادته من الصبيان روي عن مالك أنها تجوز شهادة الذكور دون الإناث.
وقال أشهب: لا تجوز شهادة الإناث