كما قال: إن من أهل بالحج من مكة وبقي بعد إهلاله بها أياما فإن له أن يطوف تطوعا ما شاء وقوله: وأما الطواف الواجب فليؤخره وهو الذي يصل بينه وبين السعي بين الصفا والمروة كلام فيه تجوز؛ لأن التأخير هاهنا بمعنى الإسقاط؛ لأن طواف الورود سقط جملة على ما ذكرناه فلا يفعل ولو كان مؤخرا على الحقيقة الآتي به بعد ذلك والله أعلم.
(فصل) :
وإنما سمي طواف الورود الطواف الواجب؛ لأنه واجب على الوارد وليس يجب بمجرد الحج ولو كان من أركان الحج لما سقط عمن أحرم من مكة ولا على المراهق فإن أخره الوارد المدرك فقد قال ابن القاسم: عليه دم وقال أشهب: لا شيء عليه.
وجه قول ابن القاسم أن هذا نسك قد وجب عليه في حجه فإذا تركه حتى فات مع القدرة عليه فعليه الدم أصل ذلك رمي الجمار.
ووجه قول أشهب أن كل ما لا يجب بتركه الدم على من أحرم من مكة فإنه لا يجب به الدم على من أحرم من غير مكة أصل ذلك طواف الوداع.
(فصل) :
وقوله وليطف ما بدا له يريد من التطوع فإن الطواف مشروع مستحب التنفل به لمن لم يكن عليه طواف واجب، وقوله وليصل ركعتين كلما طاف سبعا فيه مسائل، غير أننا نذكر منها ما تعلق بظاهر اللفظ ونؤخر سائرها إلى مواضعها - إن شاء الله تعالى - فمن ذلك أن من حكم الطواف أن تتعقبه ركعتان لما روى ابن عمر أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف بالبيت سبعا وصلى خلف المقام ركعتين» .
(فرع)
وقال القاضي أبو محمد: إنها سنة ويجب بفواتها الدم قال القاضي أبو الوليد - رضي الله عنه - والأظهر عندي أنها واجبة في الطواف الواجب ويجب بالدخول في التطوع والله أعلم.
(فصل) :
وقوله وقد فعل ذلك أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أهلوا بالحج من مكة فأخروا الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة حتى رجعوا من منى يريد الذين كانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع فمن أحرم بعمرة وحل من عمرته بمكة، ثم أحرم بالحج من مكة فإنهم لم يطوفوا بحجهم حتى رجعوا من منى.
(فصل) :
وقوله: وفعل ذلك عبد الله بن عمر فكان يهل لهلال ذي الحجة من مكة فذكر خلاف ما تقدم من روايته عنه أنه كان لا يهل إلا يوم التروية وهذا يقتضي اختلاف فعله والله أعلم.
(ص) : (وسئل مالك عن رجل من أهل مكة هل يهل من جوف مكة بعمرة قال بل يخرج
إلى الحل فيحرم منه) .
(ش) : وهذا كما قال أن المكي لا يحرم بالعمرة من الحرم وإنما يحرم بها من
الحل بخلاف الحج، والأصل في ذلك حديث «عائشة قالت فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر فقال اخرج بأختك من الحرم فلتهل بعمرة» ومن جهة القياس أن النسك من شرطه الجمع بين الحل والحرم، وجميع أفعال العمرة في الحرم فلو أحرم بها من الحرم لما جمع فيها بين الحل والحرم وإنما جاز ذلك في الحج؛ لأنه لا بد فيه من الخروج إلى الحل للوقوف بعرفة.
(فرع)
فإن أحرم المعتمر من الحرم لزمه الإحرام وعليه أن يخرج إلى الحل فيدخل منه مهلا بالعمرة قاله مالك.
ووجه ذلك ما ذكرناه من أن سنة العمرة أن يبدأ بها من الحل ويكون انتهاؤه في الحرم لقوله تعالى ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ [الحج: 33] فإذا ابتدأها من الحرم فقد ابتدأها من غير الميقات الواجب لها فلزمت بالدخول فيها ووجب استدراك ما يجب من شروطها من الجمع بين الحل والحرم.
(مسألة) :
فإن كان قارنا فهل يهل من الحرم أم لا؟ اختلف أصحابنا في ذلك فقال ابن القاسم لا يهل من الحرم وقال سحنون له أن يهل من الحرم.
وجه رواية ابن القاسم أن هذا مهل بعمرة فوجب