بموضع القبر لقال فيجلس حتى يلحقوا به.
وقد روي «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - المنع من الجلوس حتى توضع الجنازة» ، ثم نسخ بعد.
وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال «قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قعد»
(ص) : (مالك عن ابن شهاب أنه قال المشي خلف الجنازة من خطأ السنة) .
(ش) قوله من خطإ السنة السنة ما رسم ليجرى عليه ولا يطلق في الشرع إلا على
جواب الفعل فيحتمل أن يريد به من مخالفة السنة وأن الفاعل لذلك قد أخطأ السنة وخالفها ويحتمل أنه يريد أنه من خطأ أهل السنة وأن من أهل السنة من قد أخطأ في ذلك.
النهي عن تتبع الجنازة بنار
(ص) : (مالك عن هشام بن عروة عن أسماء بنت
أبي بكر أنها قالت لأهلها أجمروا ثيابي إذا مت، ثم حنطوني ولا تذروا على كفني حناطا ولا تتبعوني بنار) .
(ش) : قولها أجمروا ثيابي يحتمل أن يكون ذلك منها على وجه التعليم بالسنة
على وجه الأمر ببلوغها والتحذير من التقصير عنها ويحتمل أن يكون على وجه الوصية لمن قد علم جواز ذلك وجواز غيره وتريد بقولها أجمروا ثيابي تجميرها بالعود وغير ذلك مما يتبخر به والأصل في ذلك أن الميت يحتاج إلى تطييب ريحه وريح كفنه فإن ذلك من إكرامه وصيانته لئلا تظهر منه ريح مكروهة ولذلك شرع في غسله الكافور ليطيب ريحه ولتخفى ريح كريهة إن كانت.
(فصل) :
وقولها، ثم حنطوني الحنوط ما يجعل في جسد الميت وكفنه من الطيب والمسك والعنبر والكافور وكل ما الغرض منه ريحه دون لونه؛ لأن المقصود منه ما ذكرنا من الرائحة دون التجمل باللون.
(مسألة) :
إذا ثبت ذلك فموضع الحنوط قال أشهب إن جعل الحنوط في لحيته ورأسه فواسع، وقال ابن حبيب يجعل الكافور على مساجده ووجهه وكفيه وركبتيه وقدميه ويجعل في مسامه وعينيه وفمه وأذنيه ومنخريه وعلى القطن الذي يجعله بين فخذيه ويجعل بين أكفانه كلها ولا يجعل على ظاهر كفنه وجه ذلك أن الحنوط يجعل من أعضائه فيما يكرم وهو مواضع السجود وفيما تيقن منه خروج أذى وهو جميع مسامه ويكون ذلك مع قطن ليمنع ما تيقن خروجه من الأذى وليرد ريح الحنوط ما تيقن من ريح مكروهة ولا يجعل على ظاهر الكفن شيء من ذلك؛ لأن الحنوط إنما هو لمعنى الريح لا للون.
(مسألة) :
ويفعل هذا بكل من يغسل ويصلى عليه محرما كان أو غير محرم وبه قال الحسن وعكرمة والأوزاعي وأبو حنيفة، وقال الشافعي لا يقرب المحرم الطيب ولا يغطي رأسه والدليل على ما نقوله أنه حكم من أحكام الحج فوجب أن يبطل بالموت كالطواف، وأما ما روي «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في محرم وقع عن راحلته فمات اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين ولا تحنطوه ولا تجمروا رأسه فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيا» فليس بمانع من ذلك في غير ذلك الميت؛ لأننا لا طريق لنا إلى أن نعلم نحن في غيره من الأموات أن الله يبعثه يوم القيامة ملبيا وتعليل النبي - صلى الله عليه وسلم - الحكم بما لا طريق لنا إلى معرفته دليل على أنه حكم مخصوص به ولو كان حكما يتعدى إلى غيره لعلله بما لنا طريق إلى معرفته.
(فصل) :
وقولها ولا تتبعوني بنار قال ابن حبيب إنما ذلك للتفاؤل بالنار ويحتمل أيضا أن يكون هذا من أفعال الجاهلية فشرعت مخالفته إذا لم يكن له وجه مقصود في الشريعة ويحتمل أن يمنع؛ لأنه كان يفعل على وجه الظهور والتعالي، والله أعلم.