لها وقت ضرورة فأما ما يقتضي أن جميع وقتها وقت اختيار فهو قوله إن من رجا أن يدرك الماء قبل طلوع الشمس لم يتيمم فلو كان وقت الاختيار إلى الإسفار لراعى الإسفار في جواز التيمم كما يراعى مغيب الشفق في التيمم للمغرب وكذلك سائر الصلوات.
وأما ما يقتضي من قوله إن لها وقت ضرورة فهو ما روى ابن نافع عن مالك في المسافرين يقدمون الرجل لسنه يصلي بهم فيسفر بصلاة الصبح وأن يصلي الرجل وحده في أول الوقت أحب إلي من أن يصلي بعد الإسفار مع الجماعة وهذا من قوله مبني على أن وقت الإسفار وقت ضرورة لصلاة الصبح لا وقت اختيار ولو كان من جملة وقت الاختيار لكانت صلاة الجماعة فيه أفضل من الصلاة في أول الوقت لأن فضيلة الجماعة متفق عليها وفضيلة أول وقت الاختيار على آخره مختلف فيه ووجه الأول الخبر المتقدم ومن جهة المعنى أن أول وقت صلاة الصبح لما لم يكن فيه وقت ضرورة لها ولا لغيرها من الصلوات المفروضة لم يكن في آخر وقتها وقت ضرورة وليس كذلك سائر الصلوات فإن في أول وقت كل صلاة منها وقت ضرورة لها ولما شاركها في وقتها من الصلوات فلذلك كان في آخر وقتها وقت ضرورة ووجه رواية ابن نافع أن هذه إحدى الصلوات الخمس فكان لها وقت اختيار ووقت ضرورة كسائر الصلوات.
(فصل) :
وقوله «أين السائل عن وقت الصلاة» يقتضي اهتمامه - صلى الله عليه وسلم - بتعليم السائل وإرادته لإتمام ما شرع فيه من تعليمه ويدل ذلك على أنه اعتقد مقامه عنده إلى أن يتم تعليمه وهو وإن كان - صلى الله عليه وسلم - يعلم الجميع إلا أنه خص السائل لفضل اجتهاده وبحثه عن العلم وقوله «ما بين هذين وقت» إخبار أن ما بين وقتي صلاتيه وقت لصلاة الصبح وليس في ذلك إخبار على أن وقت الصلاتين وقت للصلاة إن أشار بقوله هذين إلى وقتي الصلاتين.
وقد ذكر بعض المفسرين أنه يفهم من قوله - صلى الله عليه وسلم - «ما بين هذين وقت» أن وقت الصلاة أيضا من الوقت وأن ذلك من مفهوم الخطاب كقوله تعالى ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾ [الزلزلة: 7] وأنه يفهم من الخطاب أنه من يعمل قنطارا من الخير يره وهذا ليس بصحيح وقوله «ما بين هذين وقت» إنما يتناول الخبر أن ما بين وقتي صلاتيه وقت للصلاة المسئول عنها ولم يتناول الخبر وقتي الصلاتين من الوجه الذي ذكره كما لو قال زيد ما بين داري هاتين لعمرو لم يفهم منه أنه أقر بداريه لعمرو.
وإنما يتناول إقراره ما بين الدارين خاصة وكذلك لو قال ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وقت لصلاة الصبح لم يفهم منه أن وقت طلوع الفجر ووقت طلوع الشمس وقت للصبح أما قوله تعالى ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾ [الزلزلة: 7] فهذا يفهم منه أن من عمل مثقال قنطار من الخير يره لأن القنطار كله مثاقيل ذر فلو كان من عمل مثقال قنطار من الخير لم يره لما كان قول القائل من يعمل مثقال ذرة خيرا يره صدقا لأن من عمل قنطار خير فقد عمل مثاقيل ذر وزاد على ذلك والصحيح في تأويل قوله - صلى الله عليه وسلم - «ما بين هذين وقت» أن الخبر إنما ثبت به أن ما بين وقتي ما أشار إليه وقت لصلاة الصبح فإن كان أشار إلى الصلاتين فقد ثبت بالخبر أن ما بينهما وقت لصلاة الصبح وثبت بفعله أن وقتي صلاتيه وقت لها فثبت بعض الوقت بالقول وبعضه بالفعل وإن كان أشار إلى ابتداء صلاته في أول يوم وإلى انتهائها في اليوم الثاني فقد ثبت جميع الوقت بالقول وإن كان أوله وآخره قد ثبت أيضا بالفعل.
وقوله وقت وإن كان نكرة ولم يضف إلى شيء يكون وقتا له فإن المراد به وقت الصلاة واستغنى عن ذكرها بما تقدم من قوله أين السائل عن وقت الصلاة.
(ص) : (مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة زوج النبي
- صلى الله عليه وسلم - «إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصلي الصبح فينصرف