حديث عبد الله بن عمر وإنما قصد بذلك غير المكي ولذلك قال، ثم أقام بمكة حتى يدركه الحج يريد فحج.
(فصل) :
وقوله وعليه ما استيسر من الهدي اختلف في ذلك أهل العلم والذي اختاره مالك أنها شاة وسيأتي ذكره بعد هذا إن شاء الله.
(مسألة) :
ولا يجزئ في الهدي إلا الشاة بعينها لا يجزئ إخراج قيمتها ولا يخرج شيء غيرها قاله مالك.
ووجه ذلك قوله تعالى ﴿فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: 196] والهدي لا يكون إلا من بهيمة الأنعام دون غيرها من العين والعروض، ثم قال تعالى ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام﴾ [البقرة: 196] فنقل عند عدم تلك العين إلى الصوم ومن جهة القياس أن هذا حيوان يخرج على وجه القربة فلم يجز عنه القيمة كالأضحية.
(فصل) :
وقوله فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع عدمه يكون على ضربين: أحدهما أن يعدم عينه جملة وهذا لا يكاد يقع، والثاني أن يتعذر عليه ثمنه وهذا يكثر وجوده في الناس وفي كلا الوجهين يجوز له الانتقال إلى الصوم؛ لأنه إذا عدم ثمنه فقد عدم ملك عينه والله أعلم.
ما لا يجب فيه التمتع
(ص) : (قال مالك من اعتمر في شوال أو ذي القعدة أو
ذي الحجة، ثم رجع إلى أهله، ثم حج من عامه ذلك فليس عليه هدي إنما الهدي على من اعتمر في أشهر الحج، ثم أقام حتى الحج ثم حج) .
(ش) : وهذا كما قال؛ لأنه من رجع إلى أهله لم يترخص بترك سفر أحد النسكين
وقد أنشأ لكل واحد منهما سفرا كاملا فليس بمتمتع ولا هدي عليه؛ وإنما هدي التمتع على ما قال على من اعتمر في أشهر الحج، ثم أقام حتى الحج، ثم حج؛ لأنه ترك أحد السفرين وجمعهما في سفر واحد ولهذا المعنى ذكر سالم أنه كره المتعة عمر - رضي الله عنه - والأصل في ذلك قوله تعالى ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: 196] ومعنى تمتعه بها أن يمكن من فعل محظورات الإحرام بها إلى أن يحرم بالحج وهذا لا يكون إلا للمعتمر من أهل الآفاق؛ لأنه هو الممنوع من المقام بمكة على هذا الوجه إذا دخل في وقت شرع له فيه الإهلال بالحج وأما المسافر الذي يعود إلى وطنه فما يتمتع بالعمرة، وإنما يتمتع برجوعه إلى بلده وخروجه عن مكة؛ لأنه لا خلاف بين المسلمين أنه يجوز لمن اعتمر ورجع إلى بلده أن يستبيح محظورات الإحرام؛ لأنه لم يشرع عليه الامتناع منها على هذا الوجه.
(مسألة) :
فإن اعتمر في أشهر الحج فلا يكره الرجوع إلى أفقه إلا ما يروى عن سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد وطاوس فإنه روي عنهم المنع من ذلك، والدليل على إباحته أن عمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثرها كانت في ذي الحجة ولم يحج مع شيء منها ومن جهة المعنى أن ما يصح أن يكون مقصود سفره قد كمل له بتمام نسكه فلا يمنع من الانصراف قبل الإتيان بنسك الحج كما لو لم ينو الحج ولم يرده.
(فرع)
إذا ثبت أن ذلك مباح فمن اعتمر في أشهر الحج، ثم رجع إلى أفقه أو إلى مثله في البعد، ثم حج من عامه فليس بمتمتع؛ لأنه أفرد كل نسك بسفره ولم يتمتع بترك سفر واحد منهما ولا نعلم في ذلك خلافا إلا ما يروى عن الحسن البصري وعطاء أنه متمتع وإن رجع إلى أفقه والدليل عليه ما تقدم.
(فرع)
فإن خرج إلى أفق أقرب من أفقه مثل أن يرجع المصري أو الشامي أو العراقي إلى الميقات فإنه يكون متمتعا عند مالك خلافا للشافعي في قوله إن خرج إلى الميقات فليس بمتمتع، والدليل على ذلك ما قدمناه من أن معنى التمتع الترخص بترك أحد السفرين ومعلوم أنه من كان من أهل خراسان أو المغرب، ثم خرج إلى الجحفة أو المدينة، ثم أحرم بالحج فلم يزل عنه الترخص والترفه بترك أحد السفرين، وأن ما سقط عنه من السفرين من بلده أكثر مما أتى به فلم يزل عنه حكم