بيع الغرر
(ص) : (مالك عن أبي حازم بن دينار عن سعيد بن المسيب أن رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - «نهى عن بيع الغرر» قال مالك ومن الغرر والمخاطرة أن يعمد الرجل قد ضلت دابته أو أبق غلامه وثمن الشيء من ذلك خمسون دينارا فيقول له رجل أنا آخذه منك بعشرين دينارا فإن وجده المبتاع ذهب من البائع ثلاثون دينارا، وإن لم يجده ذهب من المبتاع بعشرين دينارا قال مالك وفي ذلك عيب آخر أن تلك الضالة إن وجدت لم يدر أزادت أم نقصت أم ما حدث بها من العيوب فهذا أعظم المخاطرة) .
(ش) : «نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الغرر» يقتضي فساده، ومعنى
بيع الغرر، والله أعلم ما كثر فيه الغرر، وغلب عليه حتى صار البيع يوصف ببيع الغرر فهذا الذي لا خلاف في المنع منه، وأما يسير الغرر فإنه لا يؤثر في فساد عقد بيع فإنه لا يكاد يخلو عقد منه، وإنما يختلف العلماء في فساد أعيان العقود لاختلافهما فيما فيه من الغرر، وهل هو من حيز الكثير الذي يمنع الصحة أو من حيز القليل الذي لا يمنعها.
(مسألة) :
إذا ثبت ذلك فالغرر يتعلق بالمبيع من ثلاثة أوجه من جهة العقد والعوض، والأجل فأما المبيع والثمن فأن يكون أحدهما مجهول الصفة حين العقد كشراء الأجنة واشتراطها قال مالك لا خير في بيع الرمكة على إنها عقوق، وكذلك الغنم والإبل إلا أن يقول إنها عقوق، ولا يشترط ذكره ابن المواز، وروى عبد الملك بن الحسن عن أشهب يجوز ذلك، وفي القول الأول أنه غير مقدور على تسليمه حين استحقاق التسليم كالعبد الآبق والجمل الشارد والسلم في ثمر حائط بعينه، وما يشبه ذلك سوى الإبل المهملة في الرعي فإن رآها المبتاع قال مالك لا يجوز ذلك قال ابن القاسم في كتاب محمد، وكذلك المهارات والفلاء الصغار بالبراءة، وهي كبيع الآبق، وروى أصبغ عن ابن القاسم لا تباع الإبل الصغار، وما لا يوجد إلا بالإرهاق، وعلل ذلك بأنه لا يدري متى يوجد، وعلل ذلك ابن القاسم بأن أحدهما خطر، وزاد العتبية أصبغ عن ابن القاسم إنه لا يدري ما فيها من العيوب قال كبيع الغائب بغير صفة، وأنكر هذا أصبغ، وقال إنما يكره لصعوبة أخذها، ولولا ذلك لجاز، ولكان بيع الغائب وغيره بالبراءة مما لا يعلم جائزا، وقال ابن حبيب لا يجوز ذلك بيعت بالبراءة أو بغير البراءة.
(فرع)
إذا ثبت منع هذا البيع فالمبيع من ضمان البائع حتى يقبضه المبتاع قاله ابن القاسم قال ابن حبيب فإن فاتت عند المبتاع فعليه قيمتها يوم قبضها، ووجه ذلك أن ما منع من بيعه الغرر، وما يخاف من تعذر قبضه فإنه من البائع، وإنما يضمنه المبتاع بالقبض كالآبق.
(مسألة) :
وقد يكون مقدورا على تسليمه، ويكون الغرر فيه من أجل حاله كالعبد أو غيره من الحيوان لمرض يمرض يخاف منه الموت قال ابن حبيب هو من الغرر، ويفسخ البيع ما لم يفت بيد المبتاع فتكون عليه قيمته يوم قبضه.
(مسألة) :
ومن الجهالة في الثمن أن يبيعه السلعة بقيمتها أو بما يعطي فيها، ولو قال له بعتك إياها بما شئت ثم سخط ما أرسل إليه قال ابن القاسم إن أعطاه القيمة لزمه ذلك قال محمد معناه إن فات، وإن لم يفت رد؛ لأن هذا لا يجوز في هبة الثواب وجه قول ابن القاسم أن ظاهر أمره المكارمة، وتعليق ذلك باختيار المتاع فأشبه هذا الثوب، ووجه قول محمد اعتبارا بلفظ البيع، ولذلك فرق بينه وبين التلفظ بالهبة للثواب فجعل للفظ تأثيرا في ذلك، والله أعلم.
(مسألة) :
ومن دفع إلى رجل داره على أن ينفق عليه حياته روى ابن المواز عن أشهب لا أحب ذلك، ولا أفسخه إن وقع، وقال أصبغ هو حرام؛ لأن حياته مجهولة، ويفسخ، وقال ابن القاسم عن مالك لا يجوز إذا قال على أن ينفق عليه حياته.