وأما من لم يظهر ذبح أضحيته ففي كتاب محمد إن ذبح رجل أضحيته قبله في وقت لو ذبح الإمام بالمصلى لكان هذا قد ذبح بعده لم يجزه وقال أبو مصعب: إذا ترك الإمام الذبح بالمصلى فمن ذبح بعد ذلك فهو جائز وأما من كان بموضع ليس به إمام مثل أهل القرى الذين لا يصلون صلاة عيد بخطبة فقد روى ابن القاسم عن مالك يتحرون صلاة أقرب الأئمة إليهم وذبحه فمن تحرى ذلك فأخطأ فذبح قبل ذبحه ففي المدونة من قول ابن القاسم يجزيه ورواه مطرف وابن الماجشون عن مالك وأنكر ذلك ابن المواز في كتابه فقال: قد روى أشهب عن مالك خلافه ونقله أبو محمد في نوادره فقال: وقد روى أشهب عن مالك لا يجزيهم وهو أحب إلينا وقد قيل: إن رواية أشهب عن مالك إنما هي فيمن ذبح على علم أنه قد ذبح الإمام ورواية ابن القاسم فيمن تحرى أن يذبح بعده فأخطأ فذبح قبله والله أعلم وجه قول ابن القاسم أن فرضهم الاجتهاد والتحري في أمر غائب عنهم لا يمكنهم تيقنه فكان الخطأ موضوعا عنهم كالخطأ في القبلة عند الاشتباه في إعلامها ووجه قول أشهب أنهم غير معذورين لأنهم قادرون على التأخير الذي لو أخر الإمام إليه لجاز لأهل بلده الذبح قبله وما كان مثل هذا لا يسوغ فيه التحري كالوقت في الصيام والصلاة.
(فصل) :
وقول أبي بردة لا أجد إلا جذعا دليل على أنه قد علم أن الجذع يتعلق به حكم المنع إما لأن غيره يجزي دونه أو لأن غيره أفضل منه.
وقد روي في حديث البراء بن عازب أنه قال: «إنها كانت جذعة من المعز» وللإنسان تعلق بالإجزاء وتأثير فيه لأنه لا خلاف أنه لا تجوز السخلة ولا الفصيل والذي يجزي عن الإنسان في الضحايا من الضأن الجذع فما فوقه ومن المعز والإبل والبقر الثني فما فوقه والدليل على إجزاء الجذع من الضأن ما أخرجه مسلم من حديث جابر قال: «قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن» والدليل على أن الجذع من المعز لا يجزي ما روي في حديث البراء أن أبا بردة بن نيار «قال: إن عندي عناق جذعة وهي خير من شاتي لحم فهل تجزي عني؟ قال: نعم ولن تجزي عن أحد بعدك» فإن قيل: فما الفرق بين الضأن وغيرها قيل له: الفرق بينهما نص صاحب الشريعة ولا فرق أصح منه ووجه آخر وهو أنه قد روى ابن الأعرابي أنه «قال: إن المعز والبقر والإبل لا تضرب فحولتها إلا بعد أن تثني والضأن تضرب فحولتها إذا أجذعت» .
(فرع)
إذا ثبت ذلك فالثني من الضأن أحب إلى مالك من الجذع رواه ابن المواز عن مالك ووجه ذلك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تذبحوا المسنة إلا أن يعسر عليكم فاذبحوا جذعة من الضأن» ومن وجهة المعنى أن في ذلك خروجا عن الخلاف المروي وفي الثني أيضا من تمام الجسم وكماله ما يفضل به الجذع والله أعلم.
(ص) : (مالك عن يحيى بن سعيد عن عباد بن تميم أن «عويمر بن أشقر ذبح
ضحيته قبل أن يغدو يوم الأضحى وأنه ذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمره أن يعيد بضحية أخرى» ) .
(ش) : قوله إن عويمرا ذبح قبل أن يغدو يوم الأضحى يريد قبل أن تغدو إلى
المصلى لأنه هو الغدو المعتاد في يوم الأضحى فاستغنى بذلك عن ذكره ولو أراد غيره من الغدو لبينه ويحتمل أن يريد به قبل أن يحدث غدوا وهو بعد في وقت يمكنه الغدو فلما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك ولعله أخبره لما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - في الذبح قبل الصلاة ما تقدم فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعيد بضحية أخرى بمعنى أن الأولى لم تكن ضحية مجزية.