ويقوى العزم على ما قد عزم عليه وإنما ذلك فيما يفجأ من الكلام دون ما يترقب سماعه ويقدم من أجله على ما فعل أو يرجع من أجله عن أمر؛ لأن ذلك من الاستقسام بالأزلام وذلك ممنوع لقوله تعالى ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [المائدة: 3] إلى قوله ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾ [المائدة: 3] والأزلام قداح كانت العرب في الجاهلية تتخذها في أحدها افعل وفي الثاني لا تفعل فإذا أرادت فعل شيء استقسمت بها وذلك بأن تجيلها ثم تلقيها فإن خرج السهم الذي فيه افعل أقدمت على الفعل، وإن خرج السهم الذي فيه لا تفعل امتنعت منه على حسب ما روي عن سراقة بن مالك أنه قال: إذ أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر في سفر هجرتهما إلى المدينة قال فرفعتها يعني فرسه حتى دنوت منهم وعثرت بي فرسي فخررت عنها فقمت فأهويت بيدي إلى كنانتي فاستخرجت منه الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا فخرج الذي أكره فركبت فرسي وعصيت الأزلام حتى إذا سمعت قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغت الركبتين فخررت عنها ثم زجرتها واستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره فناديتم بالأمان.
(فرع)
ومن هذا الباب رقاع يكتب فيها مثل ذلك وتطوى ثم يؤخذ منها واحدة ويقرأ ما فيها، وقد كان يحب بحال فإذا وقع على صفة ما اقتضى الأمر بالفعل، وإذا وقع على صفة أخرى اقتضى النهي عن الفعل، وقد يكون بالخط، وقد يكون بكتف يؤخذ من شاة فينظر فيه، وقد يكون بقرعة وأنواعها كثير، وقد يكون بالنظر في النجوم، وقد تقدم ذكره، وقد يكون بزجر الطير، وقد يكون بالعطاس غير أن زجر الطير والعطاس قد يقع العمل به من غير ترقب له لكن العزم على العمل به يقوم مقام الترقب له وهذا كله ممنوع بالشرع وإنما أباح الشرع عبارة الرؤيا على ما يأتي بعد هذا وأما الخط فروي عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى ﴿أو أثارة من علم﴾ [الأحقاف: 4] قال هو الخط.
وروي أنه بعث نبي بالخط وهذه كلها أمور ضعاف لا يصح منها شيء ولا يصح فيها أثر عن ابن عباس ولا غيره وابن عباس أعلم بكتاب الله وبكلام العرب من أن يقول مثل هذا وأما ما روي «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صرف من اسمه مرة وحرب عن حلب الشاة وأمضى حلبها لمن اسمه يعيش» فليس من هذا الباب وإنما هو بمعنى كراهية اسم واستحسان اسم ولم يتشبث بذلك إلى علم ما يكون في المستقبل ولا إلى قوة العزم عليه ولا للإضراب عنه وإنما اختار حسن اسم كما يختار جمال المرأة على امرأة قبيحة ويختار نظيف الثياب على قبيحها ويختار حسن الزي وطيب الرائحة في الجمعة والأعياد فاعلم بذلك أن الإسلام لا ينافي التجمل والتجمل مشروع فيه ومندوب إليه في الأسماء وغيرها، والله أعلم وأحكم.
(مسألة) :
ومن أفضل الأسماء ما فيه العبودية لله عز وجل وروي عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وقد سمى النبي - صلى الله عليه وسلم - بغيرها فسمى حسنا وحسينا وقال: إنه سماهما بأسماء ابني هارون النبي - صلى الله عليه وسلم - شبر وشبير» وفي العتبية عن مالك سمعت أهل مكة يقولون ما من أهل بيت فيه اسم محمد إلا رزقوا رزق خير.
(ص) : (مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب قال لرجل ما اسمك قال جمرة
قال ابن من قال ابن شهاب قال ممن قال من الحرقة قال أين مسكنك قال بحرة النار قال بأيها قال بذات لظى فقال عمر أدرك أهلك فقد احترقوا قال فكان كما قال عمر بن الخطاب) .
(ش) : قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لجمرة بن شهاب لما قال له: إنه
من الحرقة وإن مسكنه بحرة النار وبذات لظى منها أدرك أهلك فقد احترقوا فكان كما قال قال القاضي أبو الوليد - رضي الله عنه - على معنى التفاؤل لسماعه، وقد كانت هذه حال هذا