بما عندها في ذلك من العلم ليجتمع لأم ولد إبراهيم معرفة الحكم ونقل الحديث الموجب له وهذا لما رأته أم سلمة من حفظها وضبطها وأنها ممن تصلح لنقل العلم وفهمه وهكذا يجب أن يكون حكم العالم إذا سأله من يفهم ويصلح للتعليم عن مسألة بينها له وذكر أدلتها وفروعها ما أمكنه وبحسب ما يليق به ويصلح له وإذا سأله عن مسألة من ليس من أهل العلم ولا يصلح لنقله أجابه بحكم الذي سأله عنه خاصة وقد اختلف أصحابنا في معنى هذا الحديث وتفسير الموضع القذر الذي يطهر الذيل ما بعده فروى ابن نافع عن مالك أن ذلك في الموضع اليابس الذي لا يعلق بالثوب.
وقال أبو بكر بن محمد وقال بعض أصحابنا أن معنى ما روي في المرأة من جر ذيلها أن الدرع يطهره ما بعده أنها تسحب ذيلها على الأرض ندية نجسة وقد رخص لها أن ترخيه وهي تجره بعد تلك الأرض على أرض طاهرة فذلك له طهور قال الداودي.
وقد قال بعض أصحاب مالك بظاهر الحديث ورووه في الرطب واليابس فأما من ذهب إلى أنه في القشب اليابس فإن القشب اليابس لا ينجس الثوب مجاورته فلا يحتاج إلى تطهيره فكذلك إذا مر الثوب على أرض يابسة فإنه لا يحتاج إلى تطهيره لأنه لا ينجس بمروره ذلك.
قال القاضي أبو الوليد - رضي الله عنه - وأما معنى ذلك عندي والله أعلم أن النجاسة التي في الطرقات لا يمكن الاحتراز منها مع التصرف الذي لا بد منه للناس فخفف أمرها إذا خفي عينها فإذا مر الذيل على موضع نجس ثم مر بعد ذلك على موضع طاهر أخفى عين النجاسة فأسقط عن اللابس حكم التطهير ولو لم يمر على موضع يطهره بإخفاء عين النجاسة لظهرت عين النجاسة ولوجب تطهيرها وإنما معنى ذلك أن ما لم تظهر عين النجاسة لا يجب غسله وإن جوزنا وجود نجاسة خفيت عينها به وهذه بمنزلة الطرقات من الطين والمياه التي لا تخلو من العذرة والأبوال وأرواث الدواب فإذا غلب عليها الطين وأخفى عينها لم يجب غسل الثوب منها فكان ذلك تطهيرا لها ولو ظهرت عين النجاسة فإن رأتها لم يطهره إلا الغسل وإنما معنى يطهره ما بعده أنها لم تعلم بالنجاسة وإنما تخاف أن يكون ثوبها قد أصاب ما لا تخلو الطرقات منه فقيل لها أن خفاء عين النجاسة بما يتعلق بالثوب من الطين والتراب يمنعك من مشاهدة العين وتحقق وصولها إليها فيسقط عنك فرض تطهير ثوبك وكان ذلك بمنزلة تطهيره ولو مر رجل بطين فيه نجاسة فطارت على ثوبه وعلم بها ثم تطاير عليها طين وأخفى عينها لم يكن له بد من غسلها وإنما يسقط عنه غسلها إذا لم ير عينها في ثوبه ولا علم بوصولها إليه وهذا يقتضي أن سؤال المرأة إنما كان على ما يتوقع من النجاسات لمشيها في المكان القذر ولا تعلم هل يتعلق بثوبها منه نجاسة أم لا ولم تسأل عن مشيها على نجاسة معلومة مشاهدة بتيقن تعلقها بذيلها وإن تلك لا بد من غسلها.
(ص) : (مالك أنه رأى ربيعة بن أبي عبد الرحمن يقلس مرارا وهو في المسجد
فلا ينصرف ولا يتوضأ حتى يصلي) .
(ش) : وهذا مما تقدم أن ما خرج من غير السبيلين فلا ينقض الطهارة نجسا
كان أو غيره والقلس ماء أو طعام يسير يخرج إلى الفم فلا يوجب وضوءا وليس بنجس فوجب غسل الفم ولكن إن قلس طعاما فإنه يستحب تنظيف فمه منه بالغسل لأن تنظيف الفم مشروع للصلاة كالسواك وإنما كان ربيعة لا ينصرف حتى يصلي لأنه كان يقلس وذلك أمر خفيف يذهب بالبصر وأما الطعام فإنه يبقى له أثر فيستحب المضمضة منه وقال أبو حنيفة القلس أول القيء.
(فصل) :
وقوله فلا ينصرف ولا يتوضأ يحتمل أن يريد به وضوء الحدث ويحتمل أن يريد به أنه لا يتمضمض وهكذا روى هذا الحديث يحيى وأكثر رواة الموطأ ورواه ابن حبيب عن مطرف