(فصل)
وقوله - صلى الله عليه وسلم - أولم ولو بشاة والوليمة طعام النكاح قاله صاحب العين وأمره - صلى الله عليه وسلم - بذلك على معنى الندب إليها لما فيها من إشهار النكاح وإظهاره بل هو صفة من صفاته التي يتميز بها مما هو ممنوع من السفاح.
وقد روى ابن المواز عن مالك أنه قال: أستحب الإطعام في الوليمة وكثرة الشهود في النكاح ليشتهر وتثبت معرفته فهذا في الوليمة مع ما يقترن من ذلك من كرم الأخلاق ومكارمة الإخوان ومواساة أهل الحاجة.
(فصل) :
وليس في قوله - صلى الله عليه وسلم - أولم ولو بشاة ولا في شيء من ألفاظ الحديث ما يدل على أن هذا كان قبل البناء ولا بعده وقد رأيت بعض من حاول تفسير هذا الحديث من أهل بلدنا قال إن هذا اللفظ يدل على أن الوليمة بعد البناء جائزة قال القاضي أبو الوليد - رضي الله عنه - وليس في الحديث ما يدل على ذلك لأنه يحتمل أن يكون سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الرحمن بعد العقد وقبل البناء ولو بلغنا أنه كان بعد البناء لم يدل على ذلك أيضا لجواز أن يكون قد فات ذلك قبل البناء فأمره به بعد البناء فيتعقبه البناء ويتصل به.
وقد روى ابن المواز عن مالك أرى أن يولم بعد البناء وفي العتبية من رواية أشهب عن مالك لا بأس أن يولم بعد البناء قال فليجب وليس مثل الوليمة قال ابن حبيب وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستحب الإطعام على النكاح عند عقده وعند البناء ولفظ عند البناء يقتضي قرب البناء ويحتمل أن يريد به قبله وبعده وكيفما كان فليس فيه منع لأن منه شهرة النكاح وهذا لا يعدم لتقديمه ولا لتأخيره إلا أن تقديم إشهاره قبل البناء ويتصل البناء به عندي أفضل كالإشهاد فأما تأخيره فإنه عار من فائدة الإشهاد الذي شرع تقديمه على البناء ومنع تقديم البناء قبل وجود شيء منه كالإشهاد وهي عادة الناس اليوم في الوليمة فيحتمل أن يكون مالك قال ذلك لمن فاته قبل البناء ويحتمل أن يكون اختار ذلك لأنه لا يقتصر عليه في إشهار النكاح وإنما يشهر أولا بالإشهاد وهذه زيادة في الإشهار تختص بإشهار البناء ويكون فيه معنى الرضا بما اطلع عليه من حال الزوجة فعلى هذا يختص بما بعد البناء والله أعلم.
(فصل) :
وقوله ولو بشاة وإن كان يقتضي التقليل إلا أنه ليس بحد لأقل الوليمة فإنه لا حد لأقلها وإنما ذلك على حسب الوجود ولعل ذلك كان أقل ما رآه - صلى الله عليه وسلم - في حال عبد الرحمن بن عوف وفي مثل ذلك الوقت.
وقد روى ثابت ذكر تزويج زينب بنت جحش عند أنس فقال «ما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أولم على أحد من نسائه ما أولم عليها أولم بشاة» .
(ص) : (مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال لقد بلغني أن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - كان يولم بالوليمة ما فيها خبز ولا لحم) .
(ش) : قوله كان يولم بالوليمة ما فيها خبز ولا لحم يريد والله أعلم أن
ذلك كان في سفر حيث لا يجد الخبز ولا اللحم ولا يوجد فيه ما يتزودون به من الأقط والتمر والسويق ويحتمل أيضا أن يكون في بعض الأوقات لضيق الحال فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يرو عنه أنه ترك الوليمة على أحد من نسائه.
وقد روى منصور ابن صفية عن أمه قالت «أولم النبي - صلى الله عليه وسلم - على بعض نسائه بمدين من شعير» وهذا يدل على تأكيد الندب إليها والحض عليها قال ابن حبيب «وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستحب الإطعام على النكاح ولم يدع الوليمة على أحد من نسائه قل أو كثر» وهذا يقتضي أن يؤخذ في كل حال بما يسع ولذلك روي عن «النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أولم على زينب بنت جحش فأشبع الناس خبزا ولحما» .
(مسألة) :
إذا ثبت ذلك فالذي أبيح من الوليمة ما جرت به العادة من غير سرف ولا سمعة والمعتاد منها يوم واحد وقد أبيح أكثر من يوم.
وروي أن اليوم الثاني فضل والثالث سعة وأجاب الحسن رجلا دعاه في