بها ما يصرفها إلى المعصية فلم ينعقد نذره كما لو نذر قتله ووجه الرواية الثانية أن هذا النذر له جهة من القربة فإذا لم يكن مفسرا كان كالنذر المبهم فلزمه به كفارة يمين وقال القاضي أبو محمد من نذر ذبح ابنه في يمين أو على وجه القربة فعليه الهدي وإن نذره نذرا مجردا لا يقصد به القربة فلا شيء عليه قال ووجه ذلك أنه إنما أراد القربة فإن له معهودا في الشرع وهو قصة إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - في ذبح ابنه وفداه الله بذبح عظيم وإذا لم ينو قربة فقد نذر مجرد المعصية وفرق أيضا في قوله بين اليمين والنذر فظاهر قوله أنه يوجب الهدي في اليمين على الإطلاق ولعله قصد في الفرق بينهما أن اليمين آكد لأنه التزام معلق بصفة وليس ذلك بالبين.
(فصل) :
وقوله قال شيخ عند ابن عباس وكيف يكون هذا كفارة استفهاما ليبين له وجه وجوب الكفارة في يمين أو نذر قد قيد بفعل وذلك يكون على وجهين:
أحدهما: أن يكون ابن عباس قد أراد كفارة اليمين فقال له الشيخ كيف تجب كفارة اليمين في النذر بفعل معين ليس بيمين بالله ولا نذر مبهم فتجب فيه كفارة يمين والثاني أن يكون ابن عباس إنما أوجب فيه كفارة ولم يعينها فقال له الشيخ كيف يجب في مثل هذا كفارة وإنما نذرت معصية فقال ابن عباس إن الله تعالى قال ﴿الذين يظاهرون منكم من نسائهم﴾ [المجادلة: 2] ثم جعل من الكفارة ما رأيت فيحتمل أن يريد به أن الكفارة قد يجب في نذر ويمين يتعلق بالمحظور على وجه ما وذلك أن قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي محظور ولذلك قال الله تعالى ﴿وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور﴾ [المجادلة: 2] ثم قد أوجب في ذلك كفارة الظهار فكذلك التي علقت يمينها بنحر ابنها أتت بمحظور من القول وتجب عليها في ذلك كفارة وتلك الكفارة إما هدي أو كفارة يمين أو ما شاء الله تعالى مما نبينه بعد هذا إذا سئل عنه ويحتمل أن يريد به أنه يجب عليه كفارة يمين وإن كان قولها أن أنحر ابني ليس من باب النذور ولا من باب اليمين بالله تعالى كما تجب الكفارة على المظاهر وإن لم يكن ما أتى به من باب النذر ولا اليمين بالله تعالى.
(ص) : (مالك عن طلحة بن عبد الملك الأيلي عن القاسم بن محمد بن الصديق عن
عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» قال يحيى سمعت مالكا يقول معنى قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نذر أن يعصي الله فلا يعصه أن ينذر الرجل أن يمشي إلى الشام أو إلى مصر أو إلى الربذة أو ما أشبه ذلك مما ليس لله بطاعة إن كلم فلانا أو ما أشبه ذلك فليس عليه في شيء من ذلك شيء إن هو كلمه أو حنث بما حلف عليه لأنه ليس لله في هذه الأشياء طاعة وإنما يوفى لله بما له فيه طاعة) .
(ش) : قوله - صلى الله عليه وسلم - من نذر أن يعصي الله فلا يعصه ليس فيه
إباحة النذر للمعصية بل ذلك محظور وإنما بين حكم من فعل ذلك وتورط في نذره فنهاه - صلى الله عليه وسلم - عن المعصية وإن كان قد نذرها لأن النذر لا يتعلق بها إذ النذر قربة ولا يتقرب بالمعصية بل يتاب منها وذلك مثل أن ينذر أن يشرب خمرا أو يأكل لحم خنزير.
وقد قال مالك معنى ذلك أن ينذر أن يمشي إلى الشام أو إلى مصر أو إلى المدينة أو ما أشبه ذلك مما ليس لله بطاعة ففسر المعصية بمعان ليست بمعاص في أنفسها وإنما هي مباحة لكن سماها معصية لأن نذرها عنده معصية أو لأن حكمها إذا علقت بالنذر حكم المعصية لأنه لا يصح أن ينذر كما لا يصلح أن تنذر المعصية ولذلك بين ذلك بعد هذا فقال مما ليس لله بطاعة وما ليس لله بطاعة ينقسم قسمين محظور كالمعصية ومباح كالمشي إلى الشام وغيرها ومثل ذلك بالمشي إلى المدينة ويحتمل وجهين أحدهما أن يريد به مدينة من المدن فحكمها حكم الشام والثاني أن يريد به مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم -