فلم يقتله، ولأن اليهودي كافر فإن كان السحر دليلا على الكفر فإنما يدل من كفر اليهودي على ما هو معلوم، ووجه قول سحنون أنه ناقض للعهد، ومنتقل إلى كفر لا يقر عليه، وقد قال أشهب في اليهودي يتنبأ أنه إن كان معلنا به استتيب إلى الإسلام فإن تاب، وإلا قتل.
(مسألة) :
وأما من ليس يباشر عمل السحر، ولكنه ذهب إلى من يعمله له ففي الموازية يؤدب أدبا شديدا، ووجه ذلك أنه لم يكفر؛ لأنه لم يوجد منه العمل فلذلك لا يقتل، ولكنه يستحق العقوبة الشديدة؛ لأنه آثر الكفر، ورغب إلى من يأتيه، ويفعل ما يقتضيه.
(مسألة) :
إذا ثبت ذلك فقد قال القاضي أبو بكر إن للسحر حقيقة، وقاله القاضي أبو محمد في معونته، واستدل على ذلك بقول الله تعالى ﴿ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾ [البقرة: 102] فجعلهم كفارا بتعليمه فثبت أن له حقيقة، والدليل على ذلك من جهة السنة ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت «سحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، وأن لبيد بن الأعصم سحره في مشط ومشاقة في جف طلعة نخلة ذكر، وجعله تحت راعوفة في بئر ذروان، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استخرجه، وعافاه الله» .
ما يجب في العمد
(ص) : (مالك عن عمر بن حسين مولى عائشة بنت قدامة أن عبد
الملك بن مروان أقاد ولي رجل من رجل قتله وليه بعصا قال مالك والأمر المجتمع عليه الذي لا اختلاف فيه عندنا في أن الرجل إذا ضرب الرجل بعصا أو رماه بحجر أو ضربه عمدا فمات من ذلك، فإن ذلك هو العمد وفيه القصاص قال مالك: فقتل العمد عندنا أن يعمد الرجل إلى الرجل فيضربه حتى تفيض نفسه، ومن العمد أيضا أن يضرب الرجل الرجل في النائرة تكون بينهما، ثم ينصرف عنه وهو حي فينزى في ضربه فيموت فتكون في ذلك القسامة)
(ش) : قوله إن عبد الملك أقاد في القاتل بعصا أن يقتل بعصا، وقال مالك:
إن الأمر الذي لا اختلاف فيه عندهم أن من ضرب رجلا بعصا أو رماه بحجر فمات من ذلك أن فيه القصاص، وفي هذا مسألتان إحداهما أنه من قتل بعصا أو حجر فإنه يقتص منه، والثاني أنه يقتص منه بمثلها، فأما المسألة الأولى فإن مذهب مالك - رحمه الله - أن من قتل حرابا آلة يقتل بمثلها، أو قصد القتل وجب عليه القود سواء شدخه بحجر أو عصا أو غرقه في الماء أو أحرقه بالنار أو خنقه أو دفعه أو طين عليه ببناء وبه قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد بن الحسن.
وقال أبو حنيفة لا قود عليه إذا قتل بهذه الأشياء إلا بالنار والمحدود من الحديد أو غيره مثل الليطة أو الخشبة المحددة أو الحجر المحدد، وعنه في مثقل الحديد روايتان وبه قال الشافعي والنخعي والحسن البصري، ودليلنا ما روي «أن يهوديا رضخ رأس جارية من الأنصار بسبب أوضاح لها فأتي بها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لها من بك أفلان فأشارت أن لا فقال أفلان يعني اليهودي، فأشارت برأسها أن نعم فأتى به النبي - صلى الله عليه وسلم - فأقر فأمر به فرضخ رأسه بين حجرين» ، ودليلنا من جهة القياس أن هذا قتل ظلما من يكافئه بما الغالب أن حتفه فيه فوجب عليه القصاص أصله إذا قتله بمحدد.
(مسألة) :
إذا ثبت ذلك فإن كل ما تعمد به الرجل من ضربة أو وكزة أو لطمة أو رمية ببندقة أو بحجر أو قضيب أو بعصا أو بغير ذلك فقد قال مالك إن هذا كله عمد.
وقال أشهب: ولم يختلف أهل الحجاز في ذلك فقد يقصد إلى القتل بغير الحديد، ويكون أوحى منه فإن قال لم أرد الضرب لم يقبل قوله، ولو علمنا أنه كان يجب أن لا يموت ما أزلنا عنه القود لتعمد الضرب، وقد احتج على ذلك ابن المواز بأنه لو رماه يريد جسده ففقأ عينه لأقيد منه.