تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إليها فبكى، ثم قال يا مزاحم أتخشى أن نكون ممن نفت المدينة) .

(ش) : يريد عمر بن عبد العزيز والله أعلم ما روي عن النبي - صلى الله

عليه وسلم - أنها تنفي خبثها، فخاف أن يكون ممن نفته المدينة لكونه من الخبث لمخالفة سنة أو ضلال عن هدى، ومثله من أهل الفضل والدين يخاف على نفسه.

وقال ابن أبي مليكة أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كلهم يخاف النفاق على نفسه، وقال الحسن ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق.

وقال إبراهيم التميمي: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا فعلى هذا أهل الدين والعلم والفضل من الخوف على أنفسهم والاتهام لها والله أعلم.

ما جاء في تحريم المدينة

(ص) : (مالك عن عمر ومولى المطلب «عن أنس بن

مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طلع له أحد فقال هذا جبل يحبنا ونحبه اللهم إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم ما بين لابتيها» )

(ش) : قول أنس - رضي الله عنه - «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

طلع له أحد» قال عيسى بن دينار معناه بدا له، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «هذا جبل يحبنا ونحبه» قال معناه يحبنا أهله ونحبهم.

قال القاضي أبو الوليد - رضي الله عنه - ويحتمل عندي أن يكون معناه انتفاعنا به انتفاعنا بمن يحبنا في الحماية وغير ذلك من وجوه المنافع، ويحتمل أن يريد به أن محبتنا له محبتنا لمن يعتقد فيه أنه يحبنا فهو آكد للمحبة والله أعلم.

(فصل) :

وقوله - صلى الله عليه وسلم - «اللهم إن إبراهيم حرم مكة» وروى يحيى بن مزين عن مطرف عن مسلم بن خالد الزنجي حرم مكة مما يلي المدينة نحو من أربعة أميال أو دنا شيئا نحو التنعيم، ومما يلي طريق العراق على ثمانية أميال، ومما يلي طريق نجد سبعة أميال، ومما يلي طريق اليمن سبعة أميال بموضع يقال له أضاءة ومما يلي جدة عشرة أميال بالحديبية.

قال القاضي أبو الوليد - رضي الله عنه - وهذا الذي ذكره فيه نظر والذي عندي أن بين مكة وعرفة نحو ثمانية عشر ميلا، وهو نحو ما بين مكة والحديبية وبين مكة والجعرانة وبين مكة وحنين هذه مسافات متقاربة، ولو كان بين مكة والحديبية تسعة أميال لم يكن بين مكة وجدة ما تقصر فيه الصلاة.

وقد قال مالك إن بينهما ثمانية وأربعين ميلا، وتقصر فيها الصلاة، وإنما يقع الوهم مع اختلاف الناس في الحرز في قدر الميل، والذي حكى ابن حبيب ألف باع كل باع من ذراعين، وأهل الحساب وكثير من الناس معتمدون على أن كل باع أربعة أذرع فتفاوت الأمر والله أعلم وأحكم، وأما التنعيم فإني أقمت بمكة مدة وسمعت أكثر الناس يذكرون أنها خمسة أميال، ولم أسمع في ذلك خلافا مدة مقامي بها، ولو كان بين مكة والتنعيم أربعة أميال أو دون لوجب أن يكون بين مكة والحديبية على هذا التقدير قريب من خمسة عشر ميلا فإنها أزيد من ثلاثة أمثالها.

(فصل) :

وقوله - صلى الله عليه وسلم - «إن إبراهيم حرم مكة» وقد روى ابن شريح العدوي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «إن مكة حرمها إبراهيم ولم يحرمها الناس» ، ووجه ذلك عندي أن قوله إن إبراهيم حرم مكة يحتمل أن يكون معناه أنه دعا في تحريمها، وأن البارئ تعالى أجاب دعاءه وحرمها، ويحتمل أن يريد به أن إبراهيم كلف أن يحكم باجتهاده، وأنه أداه اجتهاده إلى تحريمها فأضيف ذلك إلى تحريم الله عز وجل لأنه بأمره حرمت، ويضاف تحريمها إلى إبراهيم - عليه السلام - لأنه الذي حكم بذلك، ويكون المعنى أن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس أنه لم يحرمها أحد من الناس ممن لا يلزم تحريمه، ولا يثبت حكمه؛ لأنه لو لم يؤمر بذلك بالاجتهاد في ذلك، ولم يسوغ له التحريم فلا يلزم الناس امتثال أمره واجتناب ما نهى عنه وحرمه

المنتقى شرح موطأ · الجزء ٧ · الصفحة ١٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المنتقى شرح موطأج ٧ · ص ١٩٢