تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من ظهر إلى ظهر إنما هو من طهر إلى طهر فقلبها الناس فقالوا من ظهر إلى ظهر.

وقد تابع مالكا على هذا القول هود بن عبد الملك وسعيد بن عبد الرحمن فقالا إنما هو من طهر إلى طهر وإنما قال ذلك مالك - رحمه الله - لما لم يكن لوقت الظهر معنى يقتضي اغتسالها فرأى أن اللفظ قد صحف عن ابن المسيب وأصله ما ذكره وذلك لمن تميز الدم فتغتسل إذا انقطع عنها الدم الأسود أو حكم بأنها مستحاضة لتماديه فالاغتسال في هذا الموضع له وجه صحيح وقد بين عبد الكريم الجزري في روايته عن سعيد بن المسيب أنه من ظهر إلى ظهر فقال تغتسل كل يوم مرة عند صلاة الظهر وعبد الكريم حافظ قال القاضي أبو الوليد ومعنى ذلك عندي أنه شرع لها الغسل في كل يوم تجديدا للنظافة وذلك الوقت أحق بالغسل لما يختص به من الحر وكثرة العرق وظهور الرائحة التي تحتاج المرأة إلى إزالتها وخفة الغسل في ذلك الوقت ولذلك شرع غسل الجمعة ذلك الوقت دون سائر الأوقات ومما يدل على أن الغسل ليس بواجب على المستحاضة قوله - صلى الله عليه وسلم - «إنما ذلك عرق وليست بالحيضة» وهذا ينفي وجوب الغسل كسائر العروق.

(فرع)

إذا ثبت أنه لا يجب به غسل فهل يجب به الوضوء فالمشهور من المذهب أنه لا يجب به الوضوء.

وقال القاضي أبو الحسن أنه على ضربين منه ما يكون مرة بعد مرة فهذا يجب به الوضوء لأنه ليس بمرض ومنه ما يتكرر بالساعات فيستحب منه الوضوء ولا يجب ودليلنا على نفي الوضوء أنه دم لا يجب به الغسل فلم يجب به الوضوء كما لو خرج من سائر الجسد.

(ص) : (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال ليس على المستحاضة إلا أن

تغتسل غسلا واحدا ثم تتوضأ بعد ذلك لكل صلاة) .

(ش) : وهذا على ما تقدم من أن المستحاضة إنما يجب عليها غسل واحد عند

انقضاء حيضتها وابتداء استحاضتها لتزيل بذلك حدث الحيض وأما دم الاستحاضة فإن القاضي أبا الحسن قال اختلف أصحابنا فيه فقال بعضهم هو حدث معفو عنه وقال بعضهم ليس بحدث.

(ص) : (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال ليس على المستحاضة إلا أن

تغتسل غسلا واحدا ثم تتوضأ بعد ذلك لكل صلاة) .

(ص) : (قال مالك الأمر عندنا أن المستحاضة إذا صلت آن لزوجها أن يصيبها

وكذلك النفساء إذا بلغت أقصى ما يمسك النساء الدم فإن رأت الدم بعد ذلك فإنه يصيبها زوجها وإنما هي بمنزلة المستحاضة) .

(ش) : وهذا كما قال أن موانع الحيض هي الصلاة والوطء فإذا وجبت الصلاة

وجبت إباحة الوطء وما لا يمنع منه الطهر فلا تمنع منه الاستحاضة وبهذا قال سعيد بن جبير والحسن وعكرمة.

وقال سليمان بن يسار والزهري لا يصيب المستحاضة زوجها.

(فصل) :

حكم النفساء عند مالك في ذلك حكم الحائض إذا بلغت أقصى ما يمسك النفساء دم النفاس وتمادى بها الدم اغتسلت وكانت مستحاضة واختلفت الرواة عن مالك في أقصى ما يمسك النساء النفاس فقال مرة لا حد في ذلك ويرجع فيه إلى النساء ومعرفتهن.

وقال مرة أقصى ذلك ستون يوما وبه قال الشافعي وقال ابن الماجشون ستون أو سبعون يوما وقال أبو حنيفة أربعون يوما.

وجه ما قاله مالك أن الرجوع في ذلك إلى المعروف والعادة وقد وجد النفاس ستين يوما عادة مستمرة.

(مسألة) :

وأقل النفاس لا حد له وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقال أبو يوسف أقله أحد عشر يوما والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور أن هذا أمر طريقه العادة وقد وجد معتادا بأقل من أحد عشر يوما فلم يجز أن يحد بأحد عشر يوما كما لم يحد بثلاثين يوما لما وجد معتادا بأقل من هذا المقدار.

(ص) : (قال مالك الأمر عندنا في المستحاضة على حديث هشام بن عروة عن أبيه

وهو أحب ما سمعت إلي في ذلك) .

(ش) : وهذا كما قال لأن حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج PageV01P127

النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة فاطمة بنت أبي حبيش أصح ما ورد في هذا الباب ويحتمل أن يريد به حديث هشام بن عروة عن أبيه أنها لا تغتسل إلا غسلا واحدا ثم تتوضأ بعد ذلك لكل صلاة وهذا أظهر من جهة المعنى.

ما جاء في بول الصبي

(ص) : (عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة

زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها قالت «أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصبي فبال على ثوبه فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بماء فأتبعه إياه» ) .

(ش) : قولها أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصبي معناه أن الصحابة

- رضي الله عنهم - كانوا يأتون بصبيانهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليدعو لهم ويحنكهم ويسميهم تبركا به - صلى الله عليه وسلم - فأتي بصبي فبال على ثوبه فدعا بماء فأتبعه إياه يريد أتبع الماء بول الصبي وهذا يدل على نجاسته على قولنا أن أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - على الوجوب ولو لم يكن نجسا لما وجب إتباعه بالماء هذا مذهب مالك في بول الصبي والجارية سواء أكلا الطعام أو لم يأكلاه.

وقال عبد الله بول الصبي الذي لم يأكل الطعام طاهر لا يجب غسله ويغسل بول الجارية لنجاسته وبه قال الشافعي وروى الوليد بن مسلم عن مالك في مختصر ما ليس بالمختصر لا يغسل بول الجارية ولا الغلام حتى يأكلا الطعام وهذه رواية شاذة والصحيح المشهور ما تقدم ودليلنا من جهة القياس أن هذا بول آدمي فوجب غسل الثوب منه أصل ذلك بول من أكل الطعام.

(ص) : (مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن

أم قيس بنت محصن «أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأجلسه في حجره فبال على ثوبه فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بماء فنضحه ولم يغسله» ) .

(ش) : قوله أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام يريد أن الصحابة كانوا

يأتون بمن ولد من أولادهم قبل أن يأكل الطعام يحنكه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجاء البركة في ذلك وقد تقدم ذكره وهذا إذا أراد بقوله لم يأكل الطعام لم يقبل غذاء من رضاع ولا غيره ويحتمل أن يريد بذلك أنه يتقوت بالطعام ولم يستغن به عن الرضاع فإن الصحابة كانوا يأتون بأبنائهم ليدعو لهم لا سيما عند شيء يجده أحدهم من مرض أو شبهه.

(فصل) :

وقوله فأجلسه في حجره يريد وضعه فيه فسمي ذلك إجلاسا وإن كان الطفل عند الولادة لا يجلس ويحتمل أن يكون ذلك على التأويل خالصا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ويحتمل أن يريد بذلك الإجلاس المعتاد وإن ذلك كان قبل انقضاء الحولين في وقت يمكن فيه جلوسه وقوله فبال على ثوبه إلى قوله فنضحه ولم يغسله يريد أنه صب عليه من الماء ما غمره وأذهب لونه وطعمه وريحه فطهر بذلك الثوب وهذه حجة لمالك في أن قليل الماء لا ينجسه قليل النجاسة إذا غلب عليها وليس يفتقر تطهير النجاسة إلى إمرار اليد وإنما المقصود منه إزالة العين والحكم لم يأت بأي وجه كان من غلبة الماء عليه أو غير ذلك.

ما جاء في البول قائما وغيره

(ص) : (مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال «دخل

أعرابي المسجد فكشف عن فرجه ليبول فصاح الناس به حتى علا الصوت فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اتركوه فتركوه فبال ثم أمر رسول الله

المنتقى شرح موطأ · الجزء ١ · الصفحة ١٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المنتقى شرح موطأج ١ · ص ١٢٨