﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: 38] ودليلنا من جهة القياس أن هذه عقوبة تختص بالرجال وتجب بالكفر فوجب أن تسقط بالإسلام وكذلك القتل.
(مسألة) :
إذا ثبتت الجزية على الذي سقطت بموته وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا تسقط بموته، ودليلنا أن هذه عقوبة فوجب أن تسقط بالموت كالحدود.
(ص) : (قال مالك مضت السنة أن لا جزية على نساء أهل الكتاب ولا على
صبيانهم وأن الجزية لا تؤخذ إلا من الرجال الذين قد بلغوا الحلم) .
(ش) : وهذا كما قال إن الجزية لا تؤخذ من النساء جملة، والدليل على ذلك
قوله تعالى ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون﴾ [التوبة: 29] إلى قوله ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ [التوبة: 29] .
فوجه ذلك على ذلك أن الجزية إنما توجه أخذها على من وجبت مقاتلته، والنساء لا يقاتلن ولا يقتلن إذا ظهر عليهن بالمحاربة وإنما تجب الجزية على الرجال لرفع السيف عنهم.
(مسألة) :
وكذلك الصبيان لا تؤخذ منهم الجزية؛ لأن كل من لا يقتل إذا ظهر عليه بالمحاربة فإنه لا جزية عليه كالنساء.
(مسألة) :
ولا جزية على العبيد؛ لأنهم نوع من المال كالخيل والإبل فإن أعتق العبد النصراني فلا يخلو أن يكون معتقه مسلما أو ذميا فإن كان مسلما فلا جزية عليه، وإن أعتقه ذمي فقد توقف مالك في وجوب الجزية عليه.
وقال أشهب لا جزية عليه ووجهه أنه قد كان له المقام ببلاد المسلمين على التأبيد فلم تلزمه جزية بالعتق كما لو أعتقه مسلم.
(مسألة) :
ولا جزية على الرهبان وبه قال أبو حنيفة وهو أحد قولي الشافعي وللشافعي قول آخر أن عليهم الجزية وهذا مبني على أصلين: أحدهما: أن لا جزية على الفقير، والراهب إنما ترك له من المال اليسير فهو من جملة الفداء. والثاني: أن الراهب لا يقتل وهو محقون الدم من غير عقد كالمرأة.
(مسألة) :
ومتى تؤخذ الجزية من أهل الذمة قال أبو حنيفة تؤخذ في أول الحول حين تعقد لهم الذمة، ثم بعد ذلك عند أول كل حول.
وقال الشافعي تؤخذ من آخر الحول ولم أر لأصحابنا في ذلك نصا والذي يظهر من مقاصدهم أنها تؤخذ في آخر الحول وهو الصحيح - إن شاء الله - ذلك والدليل على ذلك أنه حق يتعلق وجوبه بالحول فوجب أن يؤخذ في آخر الحول كالزكاة.
(مسألة) :
إذا اجتمعت على الذمي جزية سنتين أو أكثر لم تتداخل في قول الشافعي وتتداخل في قول أبي حنيفة وتجب عليه جزية سنة واحدة والظاهر من مذهب مالك أنه إن كان فر منها أخذ منه للسنين الماضية وإن كان ذلك لعجز لم تتداخل ولم يبق في ذمته ما يعجز عنه من السنين ورأيت هذا للقاضي أبي الحسن، وهذا القول مبني على أن الفقير لا جزية عليه ولا تبقى في ذمته والله أعلم وأحكم.
(ص) : (قال مالك وليس على أهل الذمة ولا على المجوس في نخيلهم ولا كرومهم
ولا زروعهم ولا مواشيهم صدقة؛ لأن الصدقة إنما وضعت على المسلمين تطهيرا لهم وردا على فقرائهم ووضعت الجزية على أهل الكتاب صغارا لهم فهم ما كانوا ببلدهم الذين صالحوا عليه ليس عليهم شيء سوى الجزية في شيء من أموالهم إلا أن يتجروا في بلاد المسلمين ويختلفوا فيها فيؤخذ منهم العشر فيما يديرون من التجارات وذلك أنهم إنما وضعت عليهم الجزية وصالحوا عليها على أن يقروا ببلادهم ويقاتل عنهم عدوهم فمن خرج منهم من بلاده إلى غيرها يتجر فيها فعليه العشر من يتجر منهم من أهل مصر إلى الشام ومن أهل الشام إلى العراق ومن أهل العراق إلى المدينة أو اليمن أو ما أشبه هذا من البلاد فعليه العشر) .
(ش) : وهذا كما قال إنه لا صدقة على أهل الذمة مجوسا كانوا أو غيرهم في
شيء من الأموال التي تؤخذ منها الصدقة وهي العين والحرث والماشية والدليل على ذلك ما احتج به مالك - رحمه الله - من أن الزكاة طهرة للمسلمين وأهل الكفر ليسوا ممن يطهر وأيضا فإن الزكاة تؤخذ من أغنياء المسلمين فترد على فقرائهم، وهذا سنة الزكاة ولو أخذت من أغنياء أهل الذمة