ما يقول الناس فيها؟ قال أبو بكر فقلت له كان أبان بن عثمان يجعلها واحدة فقال عمر بن عبد العزيز: لو كان الطلاق ألفا ما أبقت البتة منه شيئا من قال ألبتة فقد رمى الغاية القصوى)
(ش) : قول عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -: البتة ما يقول الناس
فيها؟ سؤال لأصحابه ومن حضر مجلسه من العلماء عما بلغهم من أقوال الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم، وقد اختلفوا في ذلك اختلافا شديدا، وذلك أن المتأخرين من الفقهاء قالوا: إن الطلاق على ضربين صريح وكناية فذهب القاضي أبو محمد إلى أن الصريح ما تضمن لفظ الطلاق على أي وجه كان مثل أن يقول: أنت طالق، أنت مطلقة، أو قد طلقتك أو الطلاق له لازم، وما عدا ذلك من ألفاظ الطلاق مما يستعمل فيه فهو كناية وبهذا قال أبو حنيفة قال القاضي أبو الحسن: صريح الطلاق ألفاظ كثيرة وبعضها أبين من بعض: الطلاق، والسراح، والفراق، والحرام، والخلية، والبرية.
وقال الشافعي: الصريح ثلاثة ألفاظ، وهو ما ورد به القرآن من لفظ الطلاق، والسراح، والفراق ووجه المسألة عندي على مطلق الكلام فيها أن الصريح في كلام العرب على وجهين:
أحدهما: أن يريد بالصريح الخالص الذي يستعمل في الطلاق دون غيره أو وضع له دون غيره ولذلك روي في الحديث هذا صريح الإيمان أي خالصه، والوجه الثاني أن يريد بالصريح البين من قولهم صرح فلان بالقول إذا بينه وقصد الإخبار عنه، فإذا قلنا: إن معنى الصريح الخالص فمعنى قولنا: صريح الطلاق أن هذا لفظ وضع لهذا المعنى دون غيره أو يستعمل فيه دون غيره، فإن الصريح لفظ الطلاق خاصة؛ لأنه موضوع له دون غيره ويكون معنى كنايات الطلاق ما وضع له أو لغيره أو يستعمل في هذا المعنى وفي غيره كلفظ سرحتك وفارقتك وخليتك وباريتك وبنت منك.
(فصل) :
فإن قلنا: إن معنى الصريح البين، فإن الصريح من الطلاق ما يفهم منه لفظ الطلاق مما يستعمل فيه كثيرا كفارقتك وسرحتك وخليتك وبنت منك، أنت حرام؛ لأن هذه الألفاظ وإن استعملت في الطلاق وغيره إلا أنه قد كثر استعمالها في الطلاق وعرفت به فصارت بينة واضحة في إيقاع الطلاق كالغائط الذي وضع للمطمئن من الأرض ثم استعمل على وجه المجاز في إتيان قضاء الحاجة فكان فيه أبين وأشهر منه فيما وضع له وكذلك في مسألتنا مثله.
(فصل) :
إذا ثبت ذلك فقد اختلف أصحابنا في البتة فروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال هي واحدة وبه قال أبان بن عثمان وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - هي ثلاث.
وروي أيضا عن عمر وبه قال الزهري وعمر بن عبد العزيز، والدليل على أنها لا تكون إلا ثلاثا في المدخول بها ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله إني كنت تحت رفاعة القرظي فطلقني ألبتة فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وإن ما معه إلا مثل الهدبة وأخذت هدبة من جلبابها فقال تريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» .
فوجه الدليل من هذا الحديث أنها قالت كنت تحت رفاعة القرظي فطلقني ألبتة ثم أجابها أنها لا ترجع إليه حتى يمسها غيره، وهذا يقتضي أن هذا حكم طلاق البتة، ولو اختلف حكم البتة لما منعها حتى سألها عن أنواع البتة كان طلاقه إياها ودليلنا من جهة المعنى أن معنى البتة القطع، وهذا يقتضي قطع العصمة بينهم، والمبالغة في ذلك ولذلك يقال ما بقي بينهما شيء ألبتة يريدون المبالغة في قطع ما كان بينهما.
إذا كان ذلك معنى هذه اللفظة ومقتضاها فلا يكون ذلك في المدخول بها إلا بالثلاث، وأما قبل الثلاث فله الرجعة عليها، والميراث بينهما فلا يوجد فيه معنى البتة، والقطع لما بينهما ولذلك قال عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - لو كان الطلاق ألفا ما أبقت البتة منه شيئا