ولغير علة قال الشيخ أبو محمد وذلك إذا قام بها غيره.
ووجه ذلك أن الفرض إنما هو في الصلاة، وأما البقاء حتى تدفن فإنما هو فضيلة فمن أقام لها فحسن وينصرف إن شاء بعد كمال الدفن دون إذن؛ لأنه ليس في حكم أحد فيؤذن له.
وقد روى ابن شهاب عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من شهد الجنازة حتى يصلي فله قيراط ومن شهد حتى تدفن كان له قيراطان، قيل وما القيراط؟ قال مثل الجبلين العظيمين» فجعل لشاهد فرض الجنازة قيراطا ولمشاهدة فضل المواراة قيراطا ولعلهما إنما تساويا في الاسم دون الجنس والقدر، والله أعلم وأحكم.
النهي عن البكاء على الميت
(ص) : (مالك عن عبد الله بن عبد الله بن جابر
بن عتيك عن عتيك بن الحارث بن عتيك وهو جد عبد الله بن عبد الله بن جابر أبو أمه أنه أخبره أن جابر بن عتيك أخبره «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب عليه فصاح به فلم يجبه فاسترجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال غلبنا عليك يا أبا الربيع فصاح النسوة وبكين فجعل جابر يسكتهن فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعهن فإذا وجب فلا تبكين باكية قالوا يا رسول الله وما الوجوب قال إذا مات فقالت ابنته، والله إن كنت لأرجو أن تكون شهيدا فإنك قد كنت قضيت جهازك فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الله قد أوقع أجره على قدر نيته، وما تعدون الشهادة؟ قالوا القتل في سبيل الله فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد والغرق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمبطون شهيد والحرق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت بجمع شهيد» )
(ش) : قوله «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاء يعود عبد الله بن
ثابت» إخبار عن تفضيل النبي - صلى الله عليه وسلم - ومواصلته أصحابه وعيادته مرضاهم ويريد بقوله «قد غلب أن الألم والمرض الذي كان به غلب عليه حتى منعه من مجاوبة النبي - صلى الله عليه وسلم - حين صاح عليه فاسترجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» لما أصيب فيه، وقد أثنى الله تعالى على من قال مثل هذا عند المصيبة فقال ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ [البقرة: 156] ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ [البقرة: 157] وكان - صلى الله عليه وسلم - مشفقا على أصحابه محبا فيهم فإذا أصيب واحد منهم استرجع كما وصف الله تعالى ومعنى ذلك تصبر لنفسه واشعار له أن الكل لله وأن الكل راجع إليه ويجب أن يقتدى بذلك من فعله - صلى الله عليه وسلم - عندما يصاب الإنسان من أحواله وإخوانه وماله.
(فصل) :
وقوله - صلى الله عليه وسلم - «غلبنا عليك يا أبا الربيع» يحتمل أن يكون أراد التصريح بمعنى استرجاعه وتأسفه، فصاح النسوة وبكين يحتمل أن يكون بكاؤهن لما رأين من حاله وتيقن من موته ولعله حركهن لذلك ما سمعن من استرجاع النبي - صلى الله عليه وسلم - وجعل جابر يسكتهن لما عرف من نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - من رفع النساء أصواتهن بالبكاء ونياحهن ولم يكن صياح النساء - والله أعلم - من ذلك، وإنما كان استرجاعا وبكاء من غير كلام بقبح ولا نياحة «فقال - صلى الله عليه وسلم - دعهن» يريد - صلى الله عليه وسلم - إطلاق البكاء والاسترجاع لهن وبهذا استباح الناس البكاء قال ابن حبيب لا بأس بالبكاء قبل الموت وبعده ما لم يرفع به الصوت ويكون معه كلام مكروه، وأما البكاء بعد الموت فقد روي عن عبد الله بن عمر «اشتكى سعد بن عبادة فأتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود فلما دخل عليه فوجده في غاشية