تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان من الشهداء وهو الذي أشار أبو محمد إلى أنه إذا خرج من الجسد عدمت الحياة من سائر الجسد، وإذا أعيد يوم البعث إلى الجسد أعيدت الحياة إليه.

(مسألة) :

وهذا حكم النسمة، وأما الروح والنفس فقد قال الشيخ أبو محمد في نوادره قيل إنهما اسمان لشيء واحد وإليه ذهب غير واحد من أصحابنا منهم سعيد بن محمد الحداد وبهذا قال القاضي أبو بكر وجميع أصحابه قال أبو محمد وذكر أصبغ عن ابن القاسم في العتبية وغيرها أنه سمع عبد الرحيم بن خالد يقول بلغني أن الروح له جسد ويدان ورجلان ورأس وعينان يسل من الجسد سلا وفي رواية ابن حبيب عن أصبغ عن ابن القاسم عن عبد الرحيم أن النفس هي التي لها جسد مجسد قال وهي في الجسد كخلق في جوف خلق يخرج من الجسد حين الوفاة ميتا ويبقى الجسد حيا، ونحوه حكى الشيخ أبو إسحاق عن ابن القاسم وزاد قال والروح هو كالماء الجاري قال ابن حبيب والروح هو النفس الجاري يدخل ويخرج ولا حياة للنفس إلا به والنفس تألم وتلتذ والروح لا يألم ولا يلتذ.

وقد بسط القاضي أبو بكر الكلام في ذلك في كتاب الهداية بما لا مزيد عليه، والله أعلم وأحكم.

(ص) : (مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة «أن رسول الله - صلى

الله عليه وسلم - قال قال الله تبارك وتعالى إذا أحب عبدي لقائي أحببت لقاءه، وإذا كره لقائي كرهت لقاءه» ) .

(ش) : ومعنى ذلك - والله أعلم - أن المؤمن المطيع لله إذا علم ما له عند

الله من الثواب والكرامة أحب لقاء الله لذلك وأحب الله لقاءه ليجزيه ويكرمه وأن الكافر العاصي إذا عاين ما له عند الله من الخزي والعقاب كره لقاء الله وكره الله لقاءه بمعنى أنه أراد إبعاده من رحمته، وقد ورد هذا مفسرا.

(ص) : (مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى

الله عليه وسلم - قال «قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله إذا مات فحرقوه ثم أذروا نصفه في البر ونصفه في البحر فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم به فأمر الله البر فجمع ما فيه، ثم أمر البحر فجمع ما فيه، ثم قال لما فعلت هذا قال من خشيتك يا رب وأنت أعلم قال فغفر له» ) .

(ش) : قوله «لم يعمل حسنة قط» ظاهر أن العمل ما تعلق بالجوارح وهو حقيقة

العمل، وإن جاز أن يطلق على الاعتقاد على سبيل المجاز والاتساع فأخبر - صلى الله عليه وسلم - عن هذا الرجل أنه لم يعمل شيئا من الحسنات التي تعمل بالجوارح وليس فيه إخبار عن اعتقاد الكفر، وإنما يحمل هذا الحديث على أنه اعتقد الإيمان ولكنه لم يأت من شرائعه بشيء فلما حضره الموت خاف تفريطه فأمر أهله أن يحرقوه ويذروا نصفه في البحر ونصفه في البر وذلك على وجهين:

أحدهما: على وجه الفرار مع اعتقاده أنه غير فائت كما يفر الرجل أمام الأسد مع اعتقاده أنه لا يفوقه سبقا ولكنه يفعل نهاية ما يمكنه فعله.

والوجه الثاني: أن يفعل هذا خوفا من الباري تعالى وتذللا ورجاء أن يكون هذا سببا إلى رحمته ولعله كان مشروعا في ملته.

(فصل) :

وقوله «فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه» يريد لئن ضيق الله عليه وعاقبه على معصيته ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين.

وقد يقال قدر عليه بمعنى ضيق عليه قال الله تعالى ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾ [الأنبياء: 87] ، وقال ﴿ومن قدر عليه رزقه﴾ [الطلاق: 7] ولا يصح أن يريد بأمره أن يذرى نصفه في البر ونصفه في البحر أنه رجاء أن يعجز الله بذلك واعتقد بأن الباري لا يقدر على إعادته مع هذا الفعل؛ لأن من اعتقد ذلك كفر والكافر لا يغفر الله له لقوله تعالى ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: 48] وقوله ﴿إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ [الأعراف: 40] ، وقد قيل معناه إن قدر الله أن يعذبني ولم يرد أن يغفر لي ليعذبني عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين

المنتقى شرح موطأ · الجزء ٢ · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المنتقى شرح موطأج ٢ · ص ٣٢