(فصل)
وقوله - صلى الله عليه وسلم - «وإني أحرم ما بين لابتيها» يريد حرتيها، واللابة الحرة قاله ابن نافع قال والحرتان إحداهما التي ينزل بها الحاج، والأخرى تقابلها من ناحية شرقي المدينة وهو أيضا في أقصى العمران خارجة عنه.
وقال وحرتان أخريان أيضا من ناحية القبلة والجوف من المدينة، وهما أيضا في طرف العمران من جانبي المدينة جميعا على مثل الآخرين، قال ابن نافع فما بين هذه الحرات في الدور كله محرم أن يصاد فيه صيد، ومن عصى فاستحل فقد استحل ما قد نهي عنه، وليس عليه فيه جزاء، وحرم قطع الشجر منها على بريد من كل شق حولها كلها قال القاضي أبو محمد أن مقتضى تفضيل مالك المدينة على مكة أن عليه الجزاء فيما أصاب من الصيد في حرم المدينة، وهو مذهب ابن أبي ذئب والله أعلم.
(ص) : (مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب «عن أبي هريرة أنه كان يقول
لو رأيت الظباء بالمدينة ترتع ما ذعرتها قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما بين لابتيها حرام» ) .
(ش) : قول أبي هريرة - رضي الله عنه - لو رأيت الظباء ترتع بالمدينة ما
ذعرتها يريد ما نفرتها.
وقد روى عكرمة عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «إن الله حرم مكة لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها» قال عكرمة معنى ينفر صيدها أن ينحيه من الظل فيقيل مكانه، فهذا معنى الذعر الذي ذكر أبو هريرة، وقول أبي هريرة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «ما بين لابتيها حرام» يقتضي أن ذعر الصيد مما يتناوله تحريم النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال ابن وهب يعني ما بين لابتيها ما بين حرتيها، وهو قول مالك.
وقال الأصمعي الحرة هي الأرض التي تعلوها حجارة سوداء.
(ص) : (مالك عن يونس بن يوسف عن عطاء بن يسار عن أبي أيوب الأنصاري أنه
وجد غلمانا قد ألجئوا ثعلبا إلى زاوية فطردهم عنه قال مالك لا أعلم إلا أنه قال أفي حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع هذا مالك عن رجل قال دخل علي زيد بن ثابت وأنا بالأسواق، وقد اصطدت نهسا فأخذه من يدي فأرسله) .
(ش) : قول أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - للذين ألجئوا ثعلبا إلى
زاوية أفي حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع هذا يقتضي أن هذا استباحة لحرمه - صلى الله عليه وسلم - وينكر على من فعله، ولذلك طردهم عنه، والنهس الذي اصطاد الرجل قال عيسى بن دينار هو طائر يقال له النهس، ويجب أن تكون الأسواق على هذا موضعا ببعض أطراف المدينة بين الحرتين والله أعلم.
ما جاء في وباء المدينة
(ص) : (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم
المؤمنين أنها قالت «لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة وعك أبو بكر وبلال قال فدخلت عليهما فقلت: يا أبت كيف تجدك ويا بلال كيف تجدك قالت فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول
كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقيرته فيقول
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل
قالت عائشة فجئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته فقال اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو