خلافا لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي في قولهما لا قطع في ذلك، والدليل على ما نقوله قوله تعالى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: 38] ودليلنا من جهة المعنى أنه مكلف سرق ما لا شبهة له فيه من حرز مثله كالأجنبي.
(مسألة) :
ولا يقطع الأب بسرقة مال ابنه واختلف في الحد ففي الموازية عن ابن القاسم لا يقطع.
وقال أشهب: يقطع ويقطع من سواهم من القرابات، ووجه قول ابن القاسم أنه مدل بأبيه كالأب، ووجه قول أشهب أنه لا يقضى له بالنفقة عليه فقطع لسرقة ماله كالأجنبي، ويقطع الابن بسرقة مال أبويه خلافا للشافعي لما ذكرناه؛ لأن الابن لا شبهة له في مال الأب بدليل أنه لو زنى بأمته حر فهو كالأخ والأجنبي وإذا سرق العبد من مال ابن سيده قطع قاله ابن القاسم في العتبية يريد والله أعلم؛ لأنه سرق ما لا شبهة فيه ولا نفقة له منه، وليس بمال لسيده فوجب عليه القطع كما لو سرق مال الأجنبي.
(فصل) :
وقول عمر خادمكم سرق متاعكم يقتضي أن الخادم لو سرق مال من هو خادم له فلا يقطع عليه وهذا إذا كان جميعه ملكا له فإن كان العبد مشتركا فسرق مال بعض من له فيه حصة ففي الموازية لا قطع عليه، ولو سرق عبدك أو مكاتبك أو مدبرك من مال سيدك أو مكاتبك أو مدبرك مما حجر عنه لم يقطع.
(ص) : (مالك عن ابن شهاب أن مروان بن الحكم أتي بإنسان قد اختلس متاعا
فأراد قطع يده فأرسل إلى زيد بن ثابت فقال زيد بن ثابت ليس في الخلسة قطع) .
(ش) : قوله أن مروان أتي بسارق قد اختلس متاعا فأراد قطع يده يحتمل أن
يكون سماه سارقا لسرقة تقدمت له قبل هذا الاختلاس من حكم السرقة، ولذلك أراد أن يقطع يده ومعنى ذلك أنه ظهر ذلك إليه من حكمه لكنه أراد الاستظهار على ما ظهر إليه من ذلك أو تحققه إن كان لم يتحققه بسؤال أهل العلم زيد بن ثابت وغيره فقال زيد بن ثابت وغيره ليس في الخلسة قطع، والخلسة أن يأخذ الشيء مسارعا ويبادر بأخذه منه على غير وجه الاستسرار، والسرقة إنما هي أخذه على وجه الاستسرار من غير اختلاس ولا مبادرة وقال عطاء تقطع اليد المختفية ولا تقطع المختلسة.
(ص) : (مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال أخبرني أبو بكر بن محمد بن عمرو بن
حزم أنه أخذ نبطيا قد سرق خواتم من حديد فحسبه ليقطع يده فأرسلت إليه عمرة بنت عبد الرحمن مولاة لها يقال لها أمية قال أبو بكر فجاءتني وأنا بين ظهراني الناس فقالت تقول لك خالتك عمرة يا ابن أختي أخذت نبطيا في شيء يسير ذكر لي فأردت قطع يده قلت نعم قالت فإن عمرة تقول لك لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا قال أبو بكر: فأرسلت النبطي) .
(ش) : قوله أنه أتي بنبطي قد سرق خواتم حديد النبطي يحتمل أن يكون من أهل
الذمة، ويحتمل أن يكون قد أسلم وعلى كلا الحالتين يقطع في السرقة، وكذلك المعاهد المستعلن وللشافعي قولان، ودليله قوله تعالى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: 38] وهذا عام، ودليلنا من جهة القياس أنه حق لله تعالى يتعلق به حق لآدمي فوجب أن يقام على أهل الذمة والعهد كحد القذف.
(فصل) :
وقوله يحبسه ليقطع يده يحتمل ما قلناه من أنه اعتقد وجوب القطع فأراد أن يستظهر بفتوى العلماء فسجنه إلى أن يتفرغ لذلك، ويحتمل أن يكون سجنه ليأتي من يستوفى ذلك منه ويحتمل أن يكون سجنه لشدة وقت خاف منه عليه فسجنه إلى أن يزول المانع من شدة برد أو مرض أو غير ذلك، والله أعلم وأحكم.
(فصل) :
وقوله أخذ نبطيا في شيء يسير يقتضي اعتبار النصاب، وإن قيمة الخواتم تقصر عن ذلك ولا يثبت النصاب بقولها، وذلك ربع دينار وقد تقدم ذكره.
(فرع)
وإرساله النبطي عند ما انتهى إليه من قولها دليل على صحة فتوى النساء وصحة الأخذ بأقوالهن إذا كن من أهل العلم، وإن