(فصل)
وقول ابن المسيب عليك مشي على سبيل الفتوى والجواب عن مشيه الذي سأل عنه من قوله علي مشي إلى بيت الله وفي ذلك مسألتان إحداهما أن ما سأل عنه من قوله علي مشي يلزم دون أن يقترن به لفظ النذر ووجه ذلك أن النذر لا يفيد أكثر من التزام ما جعله على نفسه وقوله علي مشي إلى بيت الله تصريح بذلك ونص فوجب أن يلزمه وإن جاز أن يتأول في قوله علي مشي إلى بيت الله ولا يذكر حجا ولا عمرة فلا يخلو أن تكون له نية أو لا نية له فإن كانت نية فهو على ما نوى فإن نوى مكة أو مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - أو مسجد بيت المقدس فهو على ما نوى وإن نوى مسجدا من المساجد غيرها فله نيته ولا يلزمه المشي إلى غير ما نوى رواه ابن وهب عن مالك في المدونة ووجه ذلك أن اللفظ واقع على كل مسجد فإذا نوى ما يتناوله اللفظ كان ذلك له لا سيما فيما لا يحكم به عليه وإن لم تكن له نية فقد قال مالك في المدونة يلزمه المشي إلى مكة ووجه ذلك أن هذا اللفظ وإن كان واقعا على سائر البيوت والمساجد فإنه أظهر في المساجد منه في البيوت وهو في مكة على طريق الاختصاص أظهر منه في سائر المساجد كما أن عبد الله ورسوله واقع على سائر الرسل إلا أنه في نبينا - صلى الله عليه وسلم - أخص ووجه الاختصاص أظهر فيجب أن يحمل عليه.
(فصل) :
وقوله فمشيت يريد أنه التزم ذلك وقلد ابن المسيب فيما أفتاه به فمشى إلى مكة في حج أو عمرة وسنبين أحكام ذلك بعد هذا إن شاء الله وقول مالك وعلى هذا الأمر عندنا يريد من فتوى ابن المسيب في ذلك وليس قول مالك هذا عند ابن القاسم ولا أكثر رواة الموطإ.
ما جاء فيمن نذر مشيا إلى بيت الله فعجز
(ص) : (مالك عن عروة بن أذينة الليثي أنه قال خرجت مع جدة لي عليها مشي
إلى بيت الله حتى إذا كنا ببعض الطريق عجزت فأرسلت مولى لها يسأل عبد الله بن عمر فخرجت معه فسأل عبد الله بن عمر فقال له عبد الله مرها فلتركب ثم لتمش من حيث عجزت قال مالك ونرى عليها مع ذلك الهدي مالك أنه بلغه أن سعيد بن المسيب وأبا سلمة بن عبد الرحمن كانا يقولان مثل قول عبد الله بن عمر)
(ش) : قوله خرجت مع جدة لي عليها مشي إلى بيت الله يقتضي اعتقاد وجوب ذلك
عليها والأظهر أنها لا تتكلف ذلك وتبلغ منه ما يشق عليها أن تعجز عن إتمامه إلا بعد أن توجب ذلك على نفسها إن كانت من أهل العلم أو تسأل عن ذلك غيرها ممن يعتقد أنه يلزمها تقليده فأفتاها بذلك وبوجوب المشي قاله علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس والدليل على ذلك ما روي عن عقبة بن عامر أنه قال «نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله فأمرتني أن أستفتي لها النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستفتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لتمش ولتركب» ووجه ذلك من جهة المعنى أن الحج قربة تلزم من نذرها والمشي إليه نوع من السير إليه وذاك مشروع مما يتقرب به كالمشي إلى المساجد والجنائز والجمع والطواف والسعي فلزمه نذره على الصفة التي التزمها.
(مسألة) :
إذا ثبت ذلك ففي ذلك ست مسائل إحداها في تعليق المشي بمكان يلزم المشي إليه وتبيينه مما لا يلزم والثانية فيما يلزم بالنذر من المشي والمسير والثالث في ابتداء ذلك في الزمان والمكان والرابعة في العمل فيه والخامسة في انتهائه والسادسة في مشاركة غيره له فأما المسألة الأولى فإن المشي يتعلق بالأماكن على ثلاثة أضرب ضرب إذا علق المشي به وجب المسير إليه والمشي فيه وضرب إذا علق المشي به لم يجب المسير إليه ولا المشي فيه وضرب إذا علق المشي به وجب المسير إليه ولم يجب المشي فأما الأول فإن منه ما اتفق عليه