يجزئ عنه لأنه على نيته ما دام مشتغلا بالعمل فلا يؤثر فيه النسيان وفرق سحنون بين البحر والحمام بأن البحر لا يقصده في الغالب إلا لغسل الجنابة وأما الحمام فيقصده ليغتسل فيه تنظفا وهذا التعليل صحيح إن شاء الله غير أنه يحتاج أن يفرق بينه وبين قوله في نية الصلاة إنها مقارنة لتكبيرة الإحرام ووجه ذلك أن من حكم نيات العبادة أن تقارن افتتاحها إلا أن يمنع من ذلك مانع كما يمنع من الصوم وذلك أنه يجوز لمن أراد الصوم في غرة أن ينوي ذلك في أول ليلته وأما الطهارة فإنها تفتتح بنوافلها فلو قارنت النية الفرض لعرا غسل اليدين والمضمضة والاستنشاق عن النية فجاز له تقديم النية عند الشروع في أمر الطهارة من المشي إلى موضع الماء وغير ذلك مما يحتاج إليه الوضوء مع اتصال العمل به إلى الشروع في الوضوء وأما في الصلاة فإنها تفتتح بفرض من فروضها ولا يخفى على المكلف الدخول فيها لأنه يفعله فوجب أن تقارن النية افتتاحها وكذلك الحج.
(فصل) :
وأما ما يفعله في غيره فلا يفتقر إلى نية كغسل الميت وغسل الإناء من ولوغ الكلب وغسل الكتابية إذا انقطع عنها دم حيض أو نفاس ومن وضأ غيره لمرض أو زمانة فإن الشيخ أبا محمد قال النية على الموضأ لا على الغاسل.
(فصل) :
ذكر ابن الجهم أن فرض الوضوء نزل بالمدينة في سورة المائدة وكان الطهر بمكة من النوادر وهذا أمر لو صح لحملناه على ذلك غير أنه يحتاج إلى نقل صحيح ويحتمل أن يريد بذلك أنه كان الوضوء بمكة من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وواردا من قبله وإن كان على الوجوب لكنه لم ينزل فيه القرآن إلا بالمدينة والله أعلم وأحكم.
(فصل) :
قوله ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾ [المائدة: 6] فذكر الملامسة والمجيء من الغائط مع النوم وهي أصول أسباب الطهارة إلا أن في الآية تقديما وتأخيرا تقديرها على التحقيق إذا قمتم إلى الصلاة أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا قال ذلك محمد بن مسلمة.
(ص) : (قال مالك الأمر عندنا أن لا يتوضأ من رعاف ولا من دم ولا من قيح
يسيل من الجسد ولا يتوضأ إلا من حدث يخرج من ذكر أو دبر أو نوم.
(ش) : قد تقدم قولنا إن الأحداث المتفق عليها في المذهب ثلاثة أضرب:
ذهاب العقل وقد ذكرنا حكمه.
والثاني: ما يخرج من السبيلين ونحن نبين حكمه الآن.
والثالث: الملامسة وما في معناها وسيأتي ذكرها بعد هذا إن شاء الله.
فأما ما يخرج من الجسد فإنه على ضربين خارج من السبيلين وخارج من غير السبيلين فأما الخارج من السبيلين فإنه يوجب الطهارة على وجوه سنبينها بعد هذا إن شاء الله وأما الخارج من غير السبيلين فإنه لا يجب به الوضوء طاهرا كان أو نجسا وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة كل نجاسة سالت من الجسد من أي موضع خرجت منه فالوضوء يجب بها والدليل على ما نقوله أن هذا خارج لا ينقض الطهارة قليله فلم ينقضها كثيره كالبصاق.
(مسألة)
وأما الخارج من السبيلين فإنه لا يخلو أن يكون معتادا أو غير معتاد فإن كان معتادا فإنه تجب فيه الطهارة وهو على ثلاثة أضرب البول والغائط والودي وروى ابن نافع عن مالك في المجموعة أنه ماء أبيض خاثر يخرج بإثر البول يكون من الجماع.
وقال ابن حبيب يكون من الرجل والمرأة لحمام أو إبردة قال القاضي أبو محمد هو بذال معجمة وقيل بدال غير معجمة وكل قد حكي عن أهل اللغة وقد استوعب الكلام فيه في الاستيفاء فهذه المعاني