فتوسم عمر - رضي الله عنه - فيه بذلك الحاجة وقاله له كأنك مقفر أي أن هذا الفعل من فعل من هو مقفر وهو الذي لا إدام عنده قاله عيسى بن دينار وسمعت العرب تقول أكلت خبزا قفارا يريدون غير مأدوم ويقال ما أقفر بيت فيه خل أي لا يعدمون إداما.
(فصل) :
وقول الرجل ما أكلت سمنا ولا لكت أكلا به منذ كذا وكذا يريد أنه لم يأكله وأن عدم ذلك عام شامل للناس ولذلك لم ير آكلا به المدة التي ذكرها وقال عمر لا آكل السمن حتى يحيا الناس من أول ما يحيون يريد مساواة المساكين في ضيق عيشهم ليذكر بذلك أحوالهم ولا يغفل النظر لهم.
وقد روي أن يوسف - عليه السلام - قيل له: أتجوع وبيدك خزائن الأرض فقال: أخاف أن أشبع فأنسى الجياع.
وروي عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب لما أكل الزيت ولم يكن ألفه بطنه فكان يقرقر على المنبر فيقول لتمرن على أكل الزيت ما دام السمن يباع بالأواقي وكتب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى أبي موسى الأشعري: أما بعد فإن أسعد الرعاة من سعدت به رعيته، وإن أشقى الرعاة من شقيت به رعيته فإياك أن تزيغ ويزيغ عمالك ويكون مثلك مثل البهيمة نظرت إلى خضرة من الأرض فرعت فيها تبتغي بذلك السمن وإنما سمنها في حتفها والسلام وإنما فعل هذا كله عمر - رضي الله عنه -؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من استرعاه الله رعية فلم يحطها بالنصيحة وحسن الرعاية لم يرح رائحة الجنة» .
(فصل) :
وقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: حتى يحيا الناس من أول ما يحيون يريد - والله أعلم - يمطرون والحياء المطر فقال: حي الناس يحيون وإنما كان ذلك في عام الرمادة قال مالك كان الرمادة ستة أعوام.
(ص) : (مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك أنه قال:
رأيت عمر بن الخطاب وهو يومئذ أمير المدينة يطرح له صاع من تمر فيأكله حتى يأكل حشفه) .
(ش) : قوله رأيت عمر بن الخطاب وهو يومئذ أمير المدينة يريد إذ استخلفه
أبو بكر ولم يكن أميرا على المؤمنين قبلها يطرح له صاع من التمر فيأكله حتى يأكل حشفه يقتضي تكرر هذا الفعل منه ولو كان مرة واحدة لقال: رأيته طرح له صاع تمر فأكله وليس في كثرة أكله ما ينقص من حاله فقد أكل مع النبي - صلى الله عليه وسلم - مرارا فما أنكر أكله وما كان ليخالف أمرا قد أنكره عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يظهر عليه بعده وكان ذلك غاية قوته الذي لا يقوم جسمه إلا به ولا خلاف في إباحة ذلك عند العلماء وقد تقدم في ذلك من تفسير عبد الله بن عمر ما يغني عن إعادته والحسن في الطعام إنما هو في جنسه ومن اقتصر على التمر في طعامه لم يأل في الاقتصار لا سيما في المدينة على ساكنها السلام مع أنه قد كان يأكل ذلك في وقت ويأكل الشعير في وقت ويأكل البر واللحم في وقت وإن لم يبلغ من التأنق فيه مبلغ المتنعمين ولكنه قد كان يبلغ من قدره إلى المبلغ الذي يرجو أن يبقى قوته للمسلمين به وأيضا فإنه ليس كل الزاهدين زهده في قلة الأكل بل قد يكون في قلة المكسب وفي طيبه وفي الاستكثار منه والتوسط مع الإقبال على العادة ويكون في الإنفاق وقلة الاحتكار وفي العتبية عن مالك بلغني أن رجلا دخل على رجل كان له قدر وهو يأكل فلم يعرض عليه أن يأكل معه فعاب ذلك عليه فقال: إن الفتى يستطاب في أمور كثيرة وقد يكون في العالم أمر يعاب به.
(ص) : (مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أنه قال: سئل عمر
بن الخطاب عن الجراد فقال: وددت أن عندي قفعة نأكل منه) .
(ش) : قوله سئل عمر بن الخطاب عن الجراد يريد أن السائل سأله أحلال أكله؟
والفقهاء على إباحة أكله وإنما اختلفوا في ذكاته هل هي شرط في جواز أكله.
وقد