تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أننا إذا قلنا إنهم ليسوا بأهل كتاب لم تحل مناكحتهم ولا ذبائحهم وإذا قلنا: إنهم أهل كتاب حلت مناكحتهم وأكل ذبائحهم وأنكر ذلك أكثر أصحاب الشافعي وقالوا: إن مذهب الشافعي أن لا تجوز مناكحتهم ولا ذبائحهم بوجه، والدليل على ما نقول بأنهم ليسوا أهل كتاب قوله تعالى ﴿إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين﴾ [الأنعام: 156] ودليلنا من جهة السنة الحديث الذي يأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» ودليلنا من جهة القياس: أن المجوس فرقة لا تجوز مناكحتهم ولا أكل ذبائحهم فلم يكن أهل الكتاب كعبدة الأوثان.

(مسألة) :

وأما عبدة الأوثان وغيرهم ممن ليس بأهل كتاب فإنهم يقرون على الجزية هذا ظاهر مذهب مالك.

وقال عنه القاضي أبو الحسن يقرون على الجزية إلا قريشا وقال الشافعي لا يقرون على الجزية بوجه وقال أبو حنيفة لا يقر منهم على الجزية إلا العجم دون العرب وبه قال ابن وهب من أصحابنا.

والدليل على ما نقوله ما روى ابن بريرة قال «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمر أميرا على سرية أو جيش وصاه وقال له إذا أنت لقيت عدوا من المشركين فادعهم إلى ثلاث فأيتهن ما أجابوك إليها اقبل منهم وكف عنهم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى أن يتحولوا من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين فإن هم أبوا أن يتحولوا إلى دار المهاجرين فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب الإسلام يجري عليهم حكم الله كما يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الفيء ولا في الغنيمة شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن هم أبوا فاسألهم إعطاء الجزية فإن فعلوا فاقبل منهم وكف عنهم فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم» ، ودليلنا من جهة القياس أن هؤلاء أهل دين يجوز استبقاؤهم بالاسترقاق فجاز استبقاؤهم بالجزية كأهل الكتاب.

(ص) : (مالك عن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس

فقال ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» ) .

(ش) : قوله أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال لا أدري كيف أصنع في أمرهم

يريد من إقرارهم على دينهم وأخذ الجزية منهم أو دعائهم إلى الإسلام فإن أبوه قوتلوا عليه ولا تقبل منهم جزية وهذا من فقه عمر وورعه وتوقيه فإنه كان إذا أراد الحكم شاور فيه أهل العلم ليقوى في نفسه ما ظهر إليه بنص ينقل إليه أو موافقة منهم لرأيه وقول عبد الرحمن بن عوف أشهد لقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» فقوي له بما عنده من العلم في ذلك وأسند إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لتسكن إليه نفس المستفتي ولا يقال باجتهاد ولا رأي ولو أخبر بذلك عن رأيه لكان لعمر وغيره أن يقابله برأيه أو يعارضه باجتهاده وفي هذا دليل أنهم ليسوا من أهل الكتاب.

ووجه الدليل أنه أضاف الكتاب إلى غيرهم وأمر أن يسن بهم سنة أهل الكتاب فلو كانوا أهل كتاب لقال هم من أهل الكتاب ولم يقل «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» .

(ص) : (مالك عن نافع عن أسلم مولى عمر بن الخطاب أن عمر بن الخطاب ضرب

الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعين درهما مع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام) .

(ش) : وقوله ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق

أربعين درهما يقتضي أنه قدرها بهذا المقدار وذلك لما رآه من الاجتهاد والنظر للمسلمين واحتمال أحوال أهل الجزية.

وقد اختلف الناس في مقدار الجزية فالذي ذهب إليه مالك أن قدرها على أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعون

المنتقى شرح موطأ · الجزء ٢ · الصفحة ١٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المنتقى شرح موطأج ٢ · ص ١٧٣