تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما أوصاني به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تنبيه على تأكيد ما أوصاه به واهتباله - صلى الله عليه وسلم - بولائه ولا يهتبل في ذلك من الوصية من يودع المسافر إلا بأوكد ما يوصيه به، وقوله حين وضعت رجلي في الغرز الغرز للراحلة بمنزلة الركاب للدابة، وأشار بذلك إلى تأخير الحال التي أوصاه عليها، وأنها حين مفارقته له وبعد توديعه إياه، وذلك كله دليل على تأكيد ما أوصاه به ومبالغته في وصيته.

(فصل) :

وقوله - صلى الله عليه وسلم - «أحسن خلقك للناس معاذ بن جبل» تحسين خلقه أن يظهر منه لمن يجالسه أو ورد عليه البشر والحلم والإشفاق والصبر على التعليم والتودد إلى الصغير والكبير.

وقد قال مالك والغلظ مكروه لقول الله عز وجل ﴿ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ [آل عمران: 159] .

(فصل) :

وقوله - صلى الله عليه وسلم - «للناس» وإن كان لفظه عاما إلا أنه يريد بذلك من يستحق تحسين الخلق له فأما أهل الكفر والإصرار على الكبائر والتمادي على ظلم الناس، فلا يؤمر بتحسين خلقه لهم بل يؤمر بأن يغلظ عليهم قال الله عز وجل ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ [التوبة: 73] .

وقال سبحانه وتعالى ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ [النور: 2] وفي العتبية من سماع أشهب عن مالك «سئلت عائشة - رضي الله عنها - عن خلق النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت كان خلقه وأمره القرآن واتباعه» .

(ص) : (مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي - صلى

الله عليه وسلم - أنها قالت «ما خير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه وما انتقم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه إلا أن تنتهك حرمة لله فينتقم لله بها» ) .

(ش) : قول عائشة - رضي الله عنها - «ما خير رسول الله - صلى الله عليه

وسلم - بين أمرين إلا اختار أيسرهما» يحتمل أن يريد بذلك ما خيره الله عز وجل بين أمرين من الأعمال مما يكلفه أمته إلا اختار أيسرهما وأرفقهما بأمته، ويحتمل أن يريد ما خيره الله تعالى بين عقوبتين ينزلهما بمن عصاه وخالفه إلا اختار أيسرهما، ويحتمل أن يريد بذلك ما خيره أحد من أمته ممن لم يدخل في طاعته ولا آمن به بين أمرين كان في أحدهما موادعة ومسالمة وفي الآخر محاربة أو مشاقة إلا اختار ما فيه الموادعة، وذلك قبل أن يؤمر بالمجاهدة ومنع الموادعة، ويحتمل أن يريد به جميع أوقاته، وذلك بأن يخيره بين الحرب وأداء الجزية فإنه كان يأخذ بالأيسر فقبل منهم الجزية، ويحتمل أن يريد به أن أمته المؤمنين لم يخيروه بين التزام الشدة في العبادة وبين الأخذ بما يجب عليهم من ذلك إلا اختار لهم أيسرهما رفقا بهم ونظرا لهم وخوفا أن يكتب عليهم أشقهما فيعجزوا عنها.

(فصل) :

وقوله ما لم يكن إثما إن كان المخير هو الله تعالى فإنه استثناء منقطع؛ لأن الباري تعالى لا يخير بين الإثم والطاعة، وإن كان المخير له الكفار والمنافقون ممن بعث إليهم فيكون استثناء متصلا، ويكون معناه إلا أن يكون أيسر الأمرين اللذين خير فيهما إثما فإنه يكون أبعد الناس منه ولا يختاره، وإنما يختار الأيسر إذا خير بين جائزين مشروعين وإن كان المخير له المؤمنون من أمته فالظاهر أنه استثناء منقطع؛ لأنهم أيضا لا يخيرونه بين التزام فعل طاعة والتزام فعل معصية، ويجوز على بعد أن يكون استثناء متصلا بمعنى أن يخيروه بين التزام ما يجوز والتزام ما لا يجوز، وهم يعتقدونه مما يجوز فيكون أبعد الناس من أن يبيح لهم ما لا يجوز بل يبين لهم المنع منه ويحذرهم من إتيانه ويعدل بهم إلى الجائز، وإن شق ذلك عليهم.

(فصل) :

وقولها - رضي الله عنها - «وما انتقم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه» يريد والله أعلم أنه

المنتقى شرح موطأ · الجزء ٧ · الصفحة ٢٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المنتقى شرح موطأج ٧ · ص ٢٠٩