أهل العلم كان يفعل ذلك إظهارا منه لاقتدائه فيه بغيره وأنه لما عمل به أهل العلم ورواه قبله.
(ص) : (مالك قال بلغني عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يرى ابنه عبيد
الله بن عبد الله يتنفل في السفر فلا ينكر عليه) .
(ش) : قوله كان يرى ابنه عبيد الله بن عبد الله بن عمر يتنفل في السفر
يحتمل أن يكون ذلك بالليل فلا ينكر عليه لجوازه، هذا ويحتمل أن يكون ذلك بالنهار فلا ينكر عليه لكثرة من خالفه فيه من الأئمة والعلماء وهو الأشبه بنقل الخبر لأن مثل هذا لا ينقل في الغالب إلا فيما فيه خلاف من المسائل وسمع بإنكار على فاعله ولا خلاف بين الأئمة في جواز التنفل بالليل في السفر وعلى هذا الظاهر أدخله مالك في باب صلاة النافلة في السفر بالنهار.
(ص) : (مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبي الحباب سعيد بن يسار عن عبد
الله بن عمر أنه قال «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي وهو على حمار وهو متوجه إلى خيبر» )
(ش) : قوله يصلي وهو على حمار وهو متوجه إلى خيبر ظاهر هذا اللفظ لا يخص
صلاة فريضة من صلاة نافلة غير أنه قد علم بالإجماع المنع من صلاة الفرض على غير الأرض لغير عذر فوجب حمله على صلاة النافلة وصلاة الفريضة على الراحلة لا يخلو أن يكون لضرورة أو لغير ضرورة فإن كان لغير ضرورة فلا خلاف نعلمه في أن ذلك غير جائز وإن كان لضرورة فلا يخلو أن يكون لمخافة وسنذكره في باب الخوف أو لمرض أو طين فإن كان لمرض فقد اختلف في ذلك قول مالك ففي العتبية عنه من سماع ابن القاسم لا يصلي المريض على محمله المكتوبة وإن اشتد مرضه وكان يومئ.
وقال في المختصر إن كان لا يصلي في الأرض إلا إيماء فيصلي في محمله.
وجه رواية المنع ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» وهذا عام إلا ما خصه الدليل.
ووجه الرواية الثانية أن مباشرة الأرض بالصلاة ليست من فروض الصلاة ولو جاز ذلك لما جاز أن يصلي في علو ولا على حائل وإنما يتعلق بها من أحكام الصلاة السجود فإذا تعذر السجود وصار إلى الإيماء سقط فرض الصلاة عليها.
(فرع)
فإذا قلنا بالمنع فقد قال سحنون من صلى على المحمل لشدة مرض أعاد أبدا.
وجه ذلك أن الصلاة على الأرض عنده من فروض الصلاة للحديث المتقدم وأما الصلاة على السرير والدكان فجائز رواه ابن القاسم عن مالك.
وقال الشيخ أبو محمد هو جائز للصحيح ووجهه أن هذا جزء من الأرض ثابت فيها فأشبه الجبل وإن كان غير ثابت فنقول إنه موضوع في الأرض فأشبه الفراش والبنيان.
(فصل) :
وأما صلاة النافلة على الراحلة فلا خلاف في جواز ذلك في سفر القصر واختلفوا في جواز ذلك فيما عداه فمنعه مالك وجوزه أبو يوسف في الحضر والدليل على ما ذهب إليه الجمهور أن هذه صلاة فلا يجوز الإتيان بها في الحضر على الراحلة كالفرض.
(مسألة) :
إذا ثبت أنه لا يجوز ذلك في الحضر فهل يجوز في سفر لا تقصر فيه الصلاة أو لا؟ منع منه مالك وأجازه أبو حنيفة والشافعي في قصير السفر والدليل على ما نقوله أن هذا حكم يختص بالسفر فوجب أن يختص بسفر القصر أصل ذلك القصر والفطر.
(ص) : (مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر «أن رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - كان يصلي على راحلته في السفر حيث توجهت به» قال عبد الله بن دينار وكان عبد الله بن عمر يفعل ذلك)
(ش) قوله كان يصلي على راحلته
في السفر على نحو ما تقدم من حديث سعيد بن يسار غير أنه أفاد حديث ابن دينار تكرار ذلك منه بقوله كان يصلي لأنا قد قدمنا أن هذا اللفظ لا يستعمل غالبا إلا فيما يتكرر وقوله حيث توجهت به يريد إلى القبلة وإلى دبرها وإلى المشرق وإلى المغرب.
وقد روى علي بن زياد عن مالك في الذي يصلي على راحلته في محمله مشرقا أو مغربا لا ينحرف إلى القبلة وإن كان