ويفهم ما يخاطب به وذلك لا يصح من الميت.
وقد تقدم من حديث أنس «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إن الميت إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان ما كنت تقول في هذا الرجل محمد - صلى الله عليه وسلم - فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله فيقول له انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة فيراهما جميعا» الحديث وهذا يدل على إحياء الميت ومخاطبته، والله أعلم وأحكم.
(فصل) :
وقوله «بالغداة والعشي» يحتمل أن يريد بذلك كل غداة وكل عشي وذلك لا يكون إلا بأن يكون الإحياء لجزء منه فإنا نشاهد الميت ميتا بالغداة والعشي وذلك يمنع إحياء جميعه وإعادة جسمه ولا يمنع أن تعاد الحياة في جزء أو أجزاء منه وتصح مخاطبته والعرض عليه ويحتمل أن يريد بالغداة والعشي غداة واحدة يكون العرض فيها وقوله «مقعده» يحتمل أن يريد به مقعده من الجنة فيعرض عليه من قبره.
وقد ورد ذلك مفسرا في حديث أنس المتقدم ويكون معنى حتى يبعثك الله أي أنه مقعدك لا تصل إليه حتى يبعثك.
(ص) : (مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - قال «كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب» ) .
(ش) : قوله «كل ابن آدم تأكله الأرض» يحتمل أن يريد به أن جميع جسم
الإنسان مما تأكله الأرض، وإن جاز أن لا تأكل الأرض أجساما كثيرة من الناس الأنبياء وكثيرا من الشهداء على ما روي من الحديث في عبد الله بن عمر وغيره وما يشاهد من أكل السباع والوحوش من أجسام كثير من الناس وحرق بعضها بالنار وعجب الذنب لا تأكله الأرض من أحد من الناس، وإن أكلت سائر جسده؛ لأنه أول ما خلق الإنسان وهذا الذي يبقى منه ليعاد تركيب الخلق عليه ويقال عجب وعجم كما يقال لازب ولازم.
(ص) : (مالك عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري أنه
أخبره أن أباه كعب بن مالك كان يحدث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «إنما نسمة المؤمن طير يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه» ) .
(ش) : قوله «إنما نسمة المؤمن» في كتاب أبي القاسم الجوهري أن النسمة
النفس والروح والبدن وفي هذا الحديث إنما يعني الروح قال القاضي أبو الوليد - رضي الله عنه -: والذي عندي أنه يحتمل أن يريد به ما يكون فيه الروح من الميت قبل البعث فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك طير ويحتمل أن يريد به أن يطير ويعلق في شجر الجنة يريد - والله أعلم - يتعلق بها ويقع عليها تكرمة للمؤمن وثوابا له.
وروي يعلق ومعناه يأكل من شجر الجنة قال المطرزي: إن أرواح الشهداء تسرح في الجنة وتعلق أي تتناول قال والعلق التناول حتى يرجعه الله تعالى إلى جسده يوم يبعثه يريد أن إحياء جميع الجسد بإعادة الروح إليه يكون يوم البعث.
(مسألة) :
قال الشيخ أبو محمد من قول أهل السنة وأئمة الدين في الأرواح أنها باقية فأرواح أهل السعادة منعمة إلى يوم الدين وأرواح أهل الشقاوة معذبة إلى يوم يبعثون، وقال الله سبحانه وتعالى في الشهداء ﴿أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [آل عمران: 169] إلى قوله تعالى ﴿ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [آل عمران: 170] ، وقال الله تعالى في آل فرعون ﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيا﴾ [غافر: 46] وهذا قبل قيام الساعة ﴿ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ [غافر: 46] ، وقال سبحانه وتعالى في الكفار ﴿والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم﴾ [الأنعام: 93] ولم يقل إنهم يميتون أنفسهم، وقال في قول من قال من الموتى ﴿رب ارجعون﴾ [المؤمنون: 99] هذا قول الروح ويحتمل أن يكون هذا شيئا من محل الروح يبقى فيه الروح وهو الذي يسمى نسمة وهو الذي إذا كان من مؤمن يعلق في شجر الجنة ويرزق إن