ما اختلف فيه العلماء فإن الرجوع فيه في كل عصر من الأعصار إلى إمام ذلك العصر إذا ظهر ذلك إليه ووقع فيه الاختلاف.
(ص) : (قال مالك في الرجل تكون تحته المرأة ثم ينكح أمها فيصيبها إنها
تحرم عليه امرأته ويفارقهما جميعا ويحرمان عليه أبدا إذا كان قد أصاب الأم فإن لم يصب الأم لم تحرم عليه امرأته وفارق الأم) .
(ش) : وهذا كما قال وذلك أن نكاح المرأة على ابنتها حرام فإذا وطئها حرمت
عليه الأمة لوطئه أمها وحرمت عليه الأم لعقده نكاح ابنتها قبلها فحرمتا عليه جميعا تحريما مؤبدا وإن لم يكن أصاب الأم فارقها لأنها حرام عليه لتقدم نكاح ابنتها وبقي على نكاح البنت لأنه لم يوجد من وطء الأم والالتذاذ بها ما يحرمها، ونكاحها يكون على وجهين أحدهما أن يعقد عليهما عقدا واحدا والثاني أن ينكح إحداهما بعد الأخرى فإن تزوجهما في عقد واحد وقد سمى لكل واحدة منهما صداقا فلا يخلو أن لا يدخل بواحدة منهما أو أن يدخل بإحداهما فإن لم يكن دخل بواحدة منهما ففي المدونة من قول مالك يفسخ النكاح ولا يقر على واحدة منهما ووجه ذلك أنه عقد معاوضة لا يصح إمضاؤه على وجهه لفساده فوجب إبطال جميعه أصل ذلك إذا ابتاع ثوبا وخنزيرا في عقد واحد.
(فرع)
وهل له أن يتزوج الأم منهما قال ابن القاسم في المدونة له ذلك قال سحنون.
وقد قيل إنه لا يتزوجها وجه القول الأول أنه لم يوجد وطء شبهة ولا عقد نكاح صحيح وإنما ينشر الحرمة أحد هذين الأمرين وطء الشبهة أو العقد الصحيح فأما العقد الفاسد بمجرده فلا تأثير له في ذلك كما لا يؤثر في استحقاق شيء من المهر ووجه قول سحنون أن المؤثر في الحرمة أمران العقد والوطء ثم ثبت وتقرر أن وطء الشبهة ينشر الحرمة فكذلك عقد الشبهة.
(فرع)
فإن دخل بإحداهما وكانت البنت هي المدخول بها فإن الأم يتأبد تحريمها ويفرق بينه وبين البنت ويستقبل نكاحا إن شاء بعد الاستبراء وإن دخل بالأم تأبد تحريم البنت وفسخ نكاح الأم وكان له أن يتزوجها بعد الاستبراء وعلى رواية سحنون يتأبد تحريم الأم أيضا فإن دخل بها تأبد تحريمهما قال ذلك كله مالك في المدونة ووجهه أن وطء كل واحدة منهما بشبهة نكاح يؤبد تحريم الأخرى.
(مسألة) :
ولو أفرد كل واحدة بالعقد فتزوج الأم أولا ثم البنت ولم يدخل بواحدة منهما فإنه يفرق بينه وبين البنت ويثبت على نكاح الأم ولو بنى بالبنت لحرمت الأم على التأبيد وفرق بينه وبين البنت وكان له أن يتزوجها إن شاء فإن بنى بها حرمت عليه على التأبيد قال ذلك كله مالك في المدونة ووجه ذلك أن العقد على الأم لا يحرم البنت ولا يبطل إلا بوطء البنت ووطء الأم يؤبد تحريم البنت ووطء البنت بشبهة النكاح يؤبد تحريم الأم.
(مسألة) :
فإن تزوج البنت أولا ثم تزوج أمها فلم يبن بواحدة منهما فقد تأبد تحريم الأم بالعقد الصحيح على البنت ويفسخ نكاح الأم ويثبت نكاح البنت وكذلك لو بنى بالبنت دون الأم فإن وطىء الأم أو وطئهما فقد تأبد تحريمهما لأن بالعقد الصحيح تأبد تحريم الأم وبوطء الأم بشبهة النكاح تأبد تحريم البنت.
(ص) : (قال مالك في الرجل يتزوج المرأة ثم ينكح أمها فيصيبها أنه لا تحل
له أمها أبدا ولا تحل لأبيه ولا لابنه ولا تحل له ابنتها وتحرم عليه امرأته) .
(ش) : قول مالك في الرجل يتزوج المرأة ثم ينكح أمها فأصابها فإنه لا تحل
له أمها وذلك يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون الضمير في قوله أمها راجعا إلى البنت فيكون معنى ذلك إن تزوج الأم آخرا وأصابها لا تحل له أبدا وهذا قد تقدم القول فيه لأن عقده على البنت قد حرم عليه الأم على التأبيد فإصابته إياها بالعقد الذي أحدثه بعد ذلك لا يزيل ما تأبد من التحريم والوجه الثاني أن يكون الضمير في قوله فأصابها راجعا إلى الأم المتزوجة آخرا أو يكون المراد بالأم في قوله أمها جدة البنت