تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فيه إلى حلقه والغالب من حاله هذا أنه لا يرجع إلى حلقه شيء؛ لأن ذرع القيء وغلبته له يندفع ويخرج ويمنع الرجوع بخلاف المعالجة والإكراه للنفس على القيء؛ لأن الإكراه إنما هو إكراه على إخراج ما ليس بخارج بل من شأنه الرجوع ولو تيقن الذي ذرعه القيء رجوع شيء إلى حلقه بعد أن صار في فمه وجب عليه القضاء قال ابن حبيب وما رجع من القيء إلى الجوف من اللهوات أو الحلق قبل أن يستيقن وصوله إلى الفم فلا قضاء عليه والقلس بسبيل القيء فيما وصفنا وفي المزنية من رواية داود بن سعيد عن مالك من قلس فوصل القلس إلى فيه فرده لا قضاء عليه في صوم رمضان قال ابن القاسم رجع مالك، وقال إن خرج إلى موضع لو شاء طرحه، ثم رده فعليه القضاء قال الشيخ أبو القاسم إن ازدرده بعد أن ظهر على لسانه فعليه القضاء، وإن ازدرده قبل ذلك فلا شيء عليه.

(ص) : (مالك عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يسأل عن قضاء رمضان

فقال سعيد أحب إلي أنه لا يفرق قضاء رمضان وأن يواتر قال يحيى وسمعت مالكا يقول فيمن فرق قضاء رمضان فليس عليه إعادة وذلك مجزئ عنه وأحب ذلك إلي أن يتابعه) .

(ش) : قوله أحب إلي أن لا يفرق على حسب ما تقدم من استحباب ذلك؛ لأن

الاستحباب تعجيله، وإذا عجل أول يوم استحب له تعجيل الثاني وذلك يقتضي التواتر إلا أن هذا تواتر ليس بمقصود في نفسه.

ووجه ثان أن العلماء قد اختلفوا في وجوب التتابع فالأفضل أن يؤتى بالعبادة على وجه متيقن على إجزائه فعلى هذه الطريقة يكون التتابع مقصودا.

(ص) : (وسمعت مالكا يقول من أكل أو شرب في رمضان ساهيا أو ناسيا أو ما

كان من صيام واجب عليه أن عليه قضاء يوم مكانه) .

(ش) : وهذا كما قال وذلك أن الفطر في الصوم الواجب على ثلاثة أضرب:

أحدها: أن يقصد إلى انتهاك حرمة الصوم وهو العمد.

والثاني: أن يفطر بعذر مرض أو سفر أو غلط بوقت أو إكراه أو نسيان.

والثالث: أن يقصد الفطر لغير عذر ولكنه بتأويل يظن به أن الفطر له سائغ.

فأما إذا أفطر مكرها فإن عليه القضاء وبه قال أبو حنيفة وهل عليه الكفارة لا يخلو أن يفطر بأكل أو شرب أو جماع فإن كان بأكل أو شرب فلا كفارة عليه ولا خلاف في ذلك، وإن كان بجماع أكره عليه فالذي عليه جمهور الفقهاء أنه لا كفارة عليه، وقال ابن الماجشون عليه الكفارة والدليل على ما نقوله أن هذا معنى يقع به الفطر فلا تجب به الكفارة مع الإكراه كالأكل.

(مسألة) :

فأما إذا أفطر بنسيان فإنه يفسد صومه ويكون عليه قضاؤه، وقال أبو حنيفة والشافعي من أكل ناسيا في فرض أو غيره فلا يفطر بذلك ولا قضاء عليه والدليل على صحة ما نقوله أن ما يفسد الصوم بعدمه على وجه العمد فإنه يفسد بعدمه على وجه النسيان كالنية، وهذا إذا كان بأكل فإذا كان بجماع فالذي عليه جمهور أصحابنا أنه لا كفارة عليه، وقال ابن الماجشون وابن نافع عن مالك عليه الكفارة والكلام فيه كالكلام في الإكراه.

(مسألة) :

وأما إذا أفطر بتأويل فإنه على ضربين:

أحدهما: أن يكون تأول بمعنى موجود، مثل أن يدخل معتكفا قبل الفجر فيظن أن من لم يدخل قبل غروب الشمس فلا صوم له، أو تطهر للصيام قبل طلوع الفجر فيظن أنه لا يصح صومه حتى يتطهر قبل غروب الشمس، أو يخرج المقيم إلى مسافة قريبة فيعتقد جواز الفطر فهذا لا كفارة عليه؛ لأنه لم يقصد هتك حرمة الصوم ووقع التأويل منه بمعنى موجود، وإن تعلق التأويل بمعنى لم يوجد بعد، وإنما يتوقع وجوده، مثل أن تقول المرأة إني أحيض اليوم فتفطر قبل وجود الحيض، أو يقول المحموم اليوم يوم حماي فيفطر قبل بدء النوبة فهذا عليه الكفارة سواء وجد الحيض بعد ذلك أم لم يوجد.

(ص) : (مالك عن حميد بن PageV02P065 قيس المكي

أنه أخبره قال كنت مع مجاهد وهو يطوف بالبيت فجاءه إنسان فسأله عن صيام أيام الكفارة أمتتابعان أم يقطعها قال حميد فقلت له نعم إن شاء قال مجاهد لا يقطعها فإنها في قراءة أبي بن كعب ثلاثة أيام متتابعات قال مالك وأحب أن يكون ما سمى الله في القرآن يصام متتابعا) .

(ش) : قوله كنت مع مجاهد وهو يطوف بالبيت فجاءه إنسان فسأله يقتضي أن

الكلام عندهم في الطواف مباح وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى وقوله فسأله عن صيام أيام الكفارة يريد كفارة اليمين بالله إن لم يقدر على عتق ولا كسوة ولا إطعام فسأله الإنسان هل من شرطها المتابعة أم لا فقال حميد له أن يفرقها لما كان يعتقد فيها من جواز التفريق فأنكره مجاهد عليه لما أداه اجتهاده إليه من أن المتابعة فيها واجبة فلم يسعه السكوت إذ كان هو المسئول والمقلد فلو سكت لظن السائل أن ذلك قوله فيأخذ به ويقلده فيه وهو لا يراه والسائل لم ير تقليد حميد إما؛ لأنه لم يعرفه، أو لأنه لم يكن عنده من أهل الاجتهاد، ثم احتج مجاهد على قوله بأن في قراءة أبي " فصيام ثلاثة أيام متتابعات ".

وقد قال أبو هريرة وابن عباس إن كل صوم مذكور في القرآن فالأفضل فيه أن يكون متتابعا إلا أنه ما لم يشترط فيه التتابع فإنه يجزئ عندهما تفريقه وبه قال مالك، وكذلك في كفارة الأيمان والثلاثة الأيام في الحج والسبعة بعد الرجوع، وإنما كان الأفضل فيه التتابع؛ لأنه على صفة ما هو قضاء بعينه، ولأن الأفضل تقديم الصوم لتبرأ الذمة والدليل على ذلك قوله تعالى ﴿فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: 184] ، وهذا مطلق وأما ما تعلق به مجاهد من قراءة أبي فأنها عند قوم تجري مجرى أخبار الآحاد، والذي ذهب إليه القاضي أبو بكر وهو الصحيح أنه لا يصح التعلق إلا بما يثبت على وجه التواتر؛ لأنه إذا لم يكن متواترا لم يكن قرآنا، وإذا لم يصح كونه قرآنا لم يصح التعلق به.

(ص) : (وسئل مالك عن المرأة تصبح صائمة في رمضان فتدفع دفعة من دم عبيط

في غير أوان حيضتها، ثم تنتظر حتى تمسي أن ترى مثل ذلك فلا ترى شيئا، ثم تصبح يوما آخر فتدفع دفعة أخرى وهي دون الأولى، ثم ينقطع ذلك عنها قبل حيضتها بأيام فسأل مالك كيف تصنع في صلاتها وصيامها قال مالك ذلك الدم من الحيضة فإذا رأته فلتفطر ولتقض ما أفطرت فإذا ذهب عنها الدم فلتغتسل وتصوم) .

(ش) : وهذا كما قال إن المرأة إذا رأت الدم في وقت يصح أن يكون حيضها؛

لأنه تخلل بينه وبين الحيض الذي كان قبله من زمن الطهر ما يكون طهرا كاملا فإنه يكون حيضا سواء كان في وقت حيضها المعتاد وفي غيره فإذا رأته المرأة ولو دفعة في اليوم أفطرت لما قدمناه في كتاب الحيض من أن الدم إذا رئي في زمن الحيض فهو حيض كثيرا كان أو قليلا وأن الحيض يمنع صحة الصوم.

(فصل) :

وقوله وتقضي ما أفطرت يريد من الأيام بسبب الحيض؛ لأن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة وقوله فإذا ذهب عنها الدم فلتغتسل وتصوم أما غسلها فإن الحائض يلزمها الغسل عند انقطاع الدم لتطهر به من حدث حيضها، وإن رأت الطهر في آخر يوم رأت الدم في أوله وأما صومها فيعود إلى ما كانت عليه من الصوم في اليوم الثاني لأن اليوم الذي رأت الدم في أوله لا يصح أن تصوم شيئا منه، وإنما تصوم ما بعده إن كانت طاهرا.

(ص) : (وسئل مالك عمن أسلم في آخر يوم من رمضان هل عليه قضاء رمضان كله

وهل يجب عليه قضاء اليوم الذي أسلم فيه فقال ليس عليه قضاء ما مضى، وإنما يستأنف الصيام فيما يستقبل وأحب إلي أن يقضي اليوم الذي أسلم فيه) .

(ش) : وهذا كما قال إن من أسلم في رمضان وقد مضى بعض الشهر أنه لا يلزمه

قضاء الماضي منه خلافا للحسن وعطاء والأصل في ذلك أن الأداء قد فات لمضي زمنه والقضاء لا يجب إلا بأمر ثان ولا فرق بين ما مضى

المنتقى شرح موطأ · الجزء ٢ · الصفحة ٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المنتقى شرح موطأج ٢ · ص ٦٦