أحب إلي وما هو بالبين وفيه سعة ومن كان على خمسة عشر ميلا فاغتسل لم يجزه والله أعلم.
باب ما جاء في الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب
(ص) : (مالك عن أبي
الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت» )
(ش) : معنى هذا المنع والله أعلم المنع من الكلام إذا خطب الإمام يوم
الجمعة وأكد ذلك - صلى الله عليه وسلم - بأن من أمر حينئذ غيره بالصمت فهو لاغ لأنه قد أتى من الكلام بما نهي عنه كما أن من نهى في الصلاة مصليا عن الكلام فقد أفسد على نفسه صلاته وإنما نص على أن الآمر بالصمت وقت الخطبة لاغ تنبيها على أن كل مكلم غيره لاغ واللغو رديء الكلام وما لا خير فيه منه قال الداودي ترك اللغو ورفث التكلم والإنصات للخطبة واجب على من شهدها سمعها أو لم يسمعها قاله مالك وأبو حنيفة وأكثر الفقهاء.
وقال النخعي والشعبي لا يجوز الإنصات إلا إذا قرأ القرآن خاصة وقال أحمد بن حنبل يجب الإنصات على من سمع الخطبة دون من لم يسمعها وهو أحد قولي الشافعي والدليل على وجوب الإنصات للخطبة حديث أبي هريرة المتقدم وهو عام فإن قيل فإن معنى قد لغوت أنك أمرت بالإنصات من لم يجب عليه فالجواب أنه لا خلاف بيننا في الأمر بالإنصات لاغيا لأجل أمره لأن الإنصات مأمور به في الجمعة فلم يبق إلا أن يكون لاغيا لم يتكلم في وقت هو ممنوع من الكلام فيه يبين ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - «من اغتسل يوم الجمعة وتطهر بما استطاع من طهر ثم ادهن أو مس من طيب ثم راح فلم يفرق بين اثنين فصلى ما كتب له ثم إذا خرج الإمام أنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» .
(مسألة) :
إذا ثبت ذلك فإن ما يتكلم به من حضر الجمعة على ضربين ضرب فيه عبادة كقراءة القرآن وذكر الله تعالى وضرب لا عبادة فيه فقليله وكثيره ممنوع لما ذكرناه وأما ما فيه عبادة فإن كثيره ممنوع لأن الخطبة مشروعة لمعنى التذكير والوعظ وأمر الإمام ونهيه وتعليمه فهو ذكر مخصوص يفوت ما قصد بها وما يأتي به من الذكر والتسبيح وقراءة القرآن لا يفوته وأما يسير الذكر فإنه على ضربين:
ضرب يختص به كحمد الله عند العطاس والتعوذ من النار عند ذكرها فهذا خفيف لأنه ليس يشغل عن الإصغاء ولا يمنع من الإنصات إلى الخطبة. وقال أشهب الإنصات أحب إلي منه وإن فعلوا فسرا في أنفسهم.
والضرب الثاني: لا يختص به مثل أن يعطس غيره فيشمته فهذا ممنوع منه.
وقد روى علي بن زياد عن مالك إذا قرأ الإمام ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ [الأحزاب: 56] فليصل عليه في نفسه.
وقد قال ابن حبيب إذا دعا الإمام في خطبته المرة بعد المرة أمن الناس وجهروا جهرا ليس بالعالي قال وذلك فيما ينوب الناس من قحط أو غيره ومعنى ذلك أنه بدعائه مستدع تأمينهم وآذن فيه وكذلك إذا قرأ ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ [الأحزاب: 56] الآية مستدع منهم الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - تسليما فهذا لا خلاف في إباحته وإنما الاختلاف في صفة النطق به من سر وجهر.
(مسألة) :
والإنصات المذكور لازم من وقت يشرع الإمام في الخطبة الأولى بين الخطبتين إلى أن تكمل الخطبة الثانية.
(ص) : (مالك عن ابن شهاب عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي أنه أخبره أنهم
كانوا في زمان عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر فإذا خرج عمر وجلس على المنبر وأذن المؤذنون قال ثعلبة جلسنا نتحدث فإذا سكت المؤذنون وقام عمر يخطب أنصتنا فلم يتكلم منا أحد قال ابن شهاب فخروج الإمام يقطع الصلاة وكلامه يقطع الكلام) .