يكره السجود عليه إلا أن يكون من ضرورة شدة حر أو برد وهذا الجدار وإن كان غربيا فليس بحقيقة الغرب لأن قبلة مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ليست إلى وسط الجنوب وانحرافها إلى المشرق كثير فجداره الغربي الذي يكون له الظل قبل الزوال ولكنه لا يمتد الذراعين ونحوهما بقدر الطنفسة إلا بعد الزوال وإنما يقع التحديد بذلك عند من عاين الموضع أو عرف السعة ومقدار ارتفاع الحائط.
وقال الداودي إنما ذلك في الشتاء لامتداد الظل وانحراف الجدار فيكون له ظل قبل الفيء ويحتمل أن يكون هذا الحائط قد غير عما كان عليه في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - برفع ووضع رف عليه فإن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قد زاد في المسجد وما رواه البخاري قال حدثنا يحيى بن يعلى المحاربي حدثني أبي قال حدثنا إياس بن أبي سلمة بن الأكوع حدثني أبي وكان من أصحاب الشجرة قال «كنا نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان ظل نستظل فيه» فيحتمل أن تكون الحيطان في ذلك الوقت ليس لها علو ولا رف تقتضي الظل في أول الزوال أو يكون خبر ابن أبي سلمة عن حيطان معتدلة إلى الجنوب من دور المدينة وغيرها.
وروى ابن زياد عن مالك معنى ذلك أنهم كانوا ينصرفون وليس للحيطان ظل ممدود وقد زاغت الشمس.
(فصل) :
وقوله فإذا غشي الطنفسة كلها ظل الجدار خرج عمر بن الخطاب فصلى الجمعة يعني أن وقت خروج عمر بن الخطاب إلى صلاة الجمعة هو إذا غشي الطنفسة كلها ظل الجدار على هيئته التي كان وإن جاز أن يكون ظله قد غشي بعضها قبل خروج عمر وقيل وقت الصلاة الزوال وقوله فصلى الجمعة قال اللحياني يقال الجمعة والجمعة يريد أنه خطب ثم صلى لكنه اقتصر على علم السامع بالأمر المعتاد المشروع في ذلك.
(مسألة) :
وأما بسط الطنفسة في المسجد فقد روى ابن حبيب عن مالك أنه لا بأس أن يتوقى برد الأرض والحصباء بالحصر والمصليات في المساجد يريد بالمصليات الطنافس وكره أن يجلس فيه على فراش أو يتكئ فيه على وساد ومعنى ذلك أن الجلوس على الفراش والإتكاء على الوساد ينافي التواضع المشروع في المساجد والله أعلم.
(فصل) :
وقوله ثم نرجع فنقيل قائلة الضحاء بفتح الضاد والمد حر الشمس والضحى بالضم والقصر ارتفاعها عند طلوعها قال ذلك أبو عبد الملك القطان.
وقال أبو علي في الممدود والمقصور وبعض اللغويين يجعل الضحى والضحاء مثل النعماء والنعمى وبعضهم يجعل الضحى من حين طلوع الشمس إلى أن يرتفع النهار وتبيض الشمس جدا ثم يعود بعد ذلك الضحاء إلى قريب من نصف النهار وبعضهم يجعل الضحى حين تطلع الشمس والضحاء إذا ارتفعت وإنما يعني بذلك في الحديث أنهم كانوا يرجعون بعد صلاة الظهر فيدركون ما فاتهم من راحة قائلة الضحاء بالتهجير إلى صلاة الجمعة لأن سنتها أن يهجر إليها قبل وقتها وأن تصلى في أول وقتها لأن في تعجيلها إدخال الراحة على الناس بسرعة رجوعهم إلى منازلهم.
(مسألة) :
وأول وقت الجمعة زوال الشمس وآخر وقتها عند ابن القاسم وأشهب ومطرف آخر وقت الظهر على حسب انقسامه في الضرورة والاختيار وآخر وقتها عند ابن عبد الحكم وابن الماجشون وأصبغ إلى صلاة العصر ووجه ما قاله ابن القاسم أن الجمعة بدل من الظهر فوجب أن يكون وقتها كوقتها ووجه ما قاله ابن الماجشون أن الجمعة من شرطها الجماعة وهي مبنية على الاختيار والفضيلة فلا يجوز أن يؤتى بها في وقت الضرورة لأن ذلك يخرجها عن موضعها.
(ص) : (مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن ابن أبي سليط أن عثمان بن عفان
صلى الجمعة بالمدينة وصلى العصر بملل قال مالك وذلك للتهجير وسرعة السير) .
(ش) : قوله PageV01P019
إن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - صلى الجمعة بالمدينة وصلى العصر بملل يقتضي أنه صلى الجمعة في أول وقتها لأنه قد علم من حال عثمان أنه إنما صلى العصر في وقتها المختار ولولا ذلك لم يفد قوله تعجيل الجمعة وقال ابن حبيب وعيسى بن دينار بين المدينة وملل ثمانية عشر ميلا وفسر ذلك مالك بقوله وذلك للتهجير وسرعة السير يعني إدراكه صلاة العصر في وقتها بملل.
من أدرك ركعة من الصلاة
(ص) : (مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد
الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» ) .
(ش) : قوله - صلى الله عليه وسلم - «فقد أدرك الصلاة» لا يجوز أن يريد
أنه قد أدرك جميعها بالفعل وإنما المراد أنه أدرك حكمها مثل أن يدرك ركعة من صلاة الإمام فيكون مدركا لصلاة الجماعة وإن صلى من صلاته ركعة في الوقت فيكون مدركا لوقتها وإن صلى بعض صلاته بعد وقتها وليس ذلك أن فضيلة الإدراكين واحدة لأن من أدرك الصلاة من أولها إلى آخرها أتم فضيلة من الذي أدرك الإمام قبل أن يرفع رأسه من آخر ركعة منها وكذلك من صلى جميع صلاته في وقتها أتم فضيلة ممن أدرك ركعة منها في وقتها إلا أنهما اتفقا في حكم الأداء والجماعة فإذا ثبت ذلك فإن الإدراك في الوقت والجماعة يختلف فلا يكون مدركا للركعة في الوقت إلا أن يدرك منها مقدار ما يكبر فيه للإحرام ويقرأ بعد ذلك بأم القرآن ثم يركع فيطمئن راكعا ثم يرفع رأسه فيطمئن قائما ثم يسجد فيطمئن ساجدا ثم يجلس فيطمئن جالسا ثم يسجد فيطمئن ساجدا ثم يقوم فهذا أقل ما يكون به مدركا لحكم الوقت حكاه القاضي أبو محمد عبد الوهاب.
وأما إدراكه صلاة الإمام فهو أن يكبر لإحرامه قائما ثم يمكن يديه من ركبتيه راكعا قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع قاله ابن القاسم عن مالك لأن الإمام يحمل عنه القراءة والقيام لها ولا يحمل عنه تكبيرة الإحرام ولا القيام بسببها على ما قاله ابن المواز لأن الإحرام عقد الصلاة وموضع النية فلا بد له من الإتيان بما لا يحمله عنه الإمام قبل رفع رأسه من الركوع الذي هو تمام ركوعها يبين ذلك أنه لا خلاف أن للمأموم الدخول مع الإمام ما لم يرفع والاعتداد بما يعمله معه من الصلاة وأنه لا يعتد بما يعمله معه إذا دخل في الصلاة بعد الركوع فوجب أن يكون ذلك آخر عمل الركوع ولذلك جاز للمأموم إذا أدرك الإمام راكعا وخاف أن يرفع رأسه من ركوعه قبل أن يدرك هو الصف أن يدخل في الصلاة ويركع ويدب بعد ذلك حتى يصل إلى الصف فثبت أن إدراك الإمام يحصل بما يخاف أن يفوت به وهو رفع الرأس من الركوع.
(ص) : (مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر بن الخطاب كان يقول إذا فاتتك
الركعة فقد فاتتك السجدة) .
(ش) : قوله إذا فاتتك الركعة فقد فاتتك السجدة يعني أنه يفوت الاعتداد
بها لأن إدراكها من جهة الفعل مشاهد ولا خلاف بين الأمة أن من أدرك سجدة من صلاة الإمام فإنه لا يعتد بها وإنما يعتد بها إذا أدرك الركعة.
(ص) : (مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت كانا يقولان من
أدرك الركعة فقد أدرك السجدة)
(ش) : قولهما من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة
يريد أن بإدراك السجدة الاعتداد بها وهذا إنما يكون في صلاة الجماعة فمن أدرك الركعة من صلاة الإمام فإنه يعتد بالسجدة التي بعدها ولا يصح مثل هذا في الوقت فإنه قد يدرك الركعة في الوقت من لا يدرك السجدة.
(ص) : (مالك أنه بلغه أن أبا هريرة كان يقول من أدرك الركعة فقد أدرك
السجدة ومن فاته قراءة