(فصل)
وقوله وقد أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتم ما كان لله فيه طاعة ويترك ما كان لله فيه معصية يريد بالطاعة الصوم وبالمعصية القيام للشمس والصمت ويحتمل أن تسميته معصية وإن كان مباحا في الأصل لوجهين:
أحدهما أنه إذا نذر كان معصية لأنه لا يحل أن ينذر ما ليس بقربة ولو فعل على وجه غير النذر والتقرب به لكان مباحا وإذا فعل على وجه النذر والقربة كان معصية والوجه الثاني أنه إذا بلغ به حد الاستضرار والتعب كان معصية سواء فعل بنذر أو بغير نذر.
(مسألة) :
إذا ثبت ذلك فالنذر على ثلاثة أضرب:
أحدها: أن ينذر ما هو لله طاعة والثاني أن ينذر ما هو مباح والثالث أن ينذر ما هو معصية في نفسه ولا يلزم من ذلك إلا القسم الواحد وهو أن ينذر ما هو لله طاعة مثل أن ينذر حجا أو صلاة أو صوما أو صدقة وأما المباح فمثل أن ينذر جلوسا في الدار أو مشيا في الطريق والمعصية أن ينذر شرب خمر أو زنا أو ظلم أحد ففي هذين الوجهين لا يلزمه شيء وقال أحمد بن حنبل في ناذر المباح هو مخير بين فعله وبين كفارة يمين والدليل على ما نقوله أن ما لا قربة فيه لا يصح نذره لأن النذر يوجب فعل المنذور فإذا كان المباح لا يصح أن يجب لم يصح تعلق النذر به كالمعصية.
(مسألة) :
وأما نذر المعصية فلا يلزم به عندنا شيء وقال أبو حنيفة والثوري إن عليه مع تركها كفارة يمين والدليل على ما نقوله ما روى مالك عن طلحة بن عبد الملك عن القاسم بن محمد عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» وهذا موضع تعليم فاقتضى أن ذلك يمنع موجبه ومن جهة المعنى أن هذا نذر ما لا قربة فيه فلم يجب به شيء أصل ذلك إذا نذر الجلوس والقعود.
(ص) : (مالك عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد أنه سمعه يقول أتت امرأة
إلى عبد الله بن عباس فقالت إني نذرت أن أنحر ابني فقال ابن عباس لا تنحري ابنك وكفري عن يمينك فقال شيخ عند ابن عباس وكيف يكون في هذا كفارة قال ابن عباس إن الله تعالى قال ﴿الذين يظاهرون منكم من نسائهم﴾ [المجادلة: 2] ثم جعل فيه من الكفارة ما قد رأيت) .
(ش) : قول المرأة المستفتية إني نذرت أن أنحر ابني تريد أنها أتت بذلك
والتزمته على وجه النذر والتقرب لله تعالى به فقال ابن عباس لا تنحري ابنك وكفري عن يمينك فمنعها من النحر الذي علقت به النذر لأنه معصية لا تحل بنذر ولا غيره وقال لها كفري عن يمينك فسماه يمينا لوجهين:
أحدهما: لما كانت كفارته عند ابن عباس كفارة يمين سماه لذلك يمينا والثاني أنه لعله فهم منها أنها أتت بذلك على وجه اليمين مثل أن تقول إن دخلت الدار فلله علي أن أنحر ابني فعلى هذا يحتمل أن يريد بقوله كفري عن يمينك الهدي أو غيره مما يوجب عليها ذلك.
وقد قال مالك فيمن قال لابنه أو لأجنبي في يمين لله علي أن أنحرك فحنث فإنه على ضربين:
أحدهما: أن يعلق ذلك مكان النحر مثل أن يقول أنحرك عند مقام إبراهيم أو عند البيت أو المسجد أو بمنى أو بمكة.
والثالث أن يذكر موضعا لم يشرع فيه النحر مثل أن يقول بالبصرة أو بالكوفة فأما الأولى وهو أن يعلق نحره بموضع النحر فقد روى ابن حبيب عن مالك عليه الهدي ووجه ذلك أنه لما أخرجه مخرج النذور وعلق ذلك بموضع النذر علم أنه أراد به القربة ولهذا المعنى تعلق بالقربة على وجه البدل لما ورد في ذلك من فعل إبراهيم - عليه السلام - وما آل إليه حكمه في نحر ابنه - صلى الله عليه وسلم - فلزمه في ذلك الهدي لأن نحر ابنه لا يحل فلا يتعلق به النذر وإنما يتعلق النذر في ذلك بما ورد به الشرع من الهدي.
(مسألة) :
وأما إذا لم يسم شيئا فلا يخلو أن يكون له نية أو لا نية له فإن كان نوى الهدي لزمه لما قدمناه وإن لم ينو الهدي فعن مالك في ذلك روايتان إحداهما لا شيء عليه والثانية عليه كفارة يمين وبها قال أصبغ وجه الرواية الأولى أنه نذر معصية لم يقرن