يقال: انصرف فلان من صلاته ورجع من عمله يريد فرغ منه وانقضى تلبسه به، ووجه ثان: وهو أنه يحتمل أن يريد به الرجوع من الحج وهو الأظهر لما قدمناه ويحتمل أن يريد به الرجوع إلى أهله على ما في ذلك من تعسف التأويل؛ لأنه لم يجئ لأهله ولا لبلده ذكروا إذا احتمل الأمرين وجب أن يتعلق ذلك بأولهما وجودا كما قلنا في الشفق أنه لما وقع هذا اللفظ على الحمرة والبياض يجب أن يتعلق بأولهما وجودا وهو مغيب الحمرة ودليلنا من جهة المعنى أن هذا متمتع عدم الهدي وفرغ من أفعال الحج فجاز له صوم السبعة الأيام أصله إذا استوطن مكة أو أراد المقام بها إلى عام آخر.
(فرع)
إذا ثبت ذلك فإن تأخير الصوم إلى أن يرجع إلى أهله أفضل إلا أن يقيم بمكة قاله مالك.
ووجه ذلك أن تأدي العبادة على الوجه المتفق عليه أفضل من أدائها على الوجه المختلف فيه.
(ص) : (قال مالك في رجل من أهل مكة انقطع إلى غيرها وسكن سواها، ثم قدم
معتمرا في أشهر الحج، ثم أقام بمكة حتى أنشأ الحج منها أنه متمتع يجب عليه الهدي والصيام إن لم يجد هديا وأنه لا يكون مثل أهل مكة) .
(ش) : وهذا كما قال إن من كان من أهل مكة، ثم انقطع عنها إلى غيرها
وسكنها مستوطنا فقد انتقل حكمه إلى حكم سائر أهل الآفاق وكملت فيه شروط المتعة فعليه ما على المتمتع الهدي أو الصيام إن لم يجده، وإنما يراعى من أهل مكة أو غيرها أن يوجد منه الاستيطان بمكة أو غيرها حين الإحرام فيحمل على ذلك وبالله التوفيق.
(ص) : (وسئل مالك عن رجل من غير أهل مكة دخل مكة بعمرة في أشهر الحج وهو
يريد الإقامة بمكة حتى ينشئ الحج أمتمتع هو فقال: نعم هو متمتع وليس هو مثل أهل مكة وإن أراد الإقامة وذلك أنه دخل مكة وليس هو من أهلها وإنما الهدي أو الصيام على من لم يكن من أهل مكة وأن هذا الرجل يريد الإقامة ولا يدري ما يبدو له بعد ذلك وليس هو من أهل مكة) .
(ش) : وهذا كما قال إن من كان من غير أهل مكة ودخلها في أشهر الحج ينوي
الإقامة بها والاستيطان فإن حكمه في القران والتمتع حكم أهل الآفاق؛ لأن الاستيطان لم يوجد منه بعد، فقد أتى ببعض أفعال التمتع وهو العمرة قبل الاستيطان، وإنما لا يكون متمتعا من كمل استيطانه قبل أن يحرم بالعمرة مثل أن يدخل معتمرا في رمضان فيحل في رمضان من عمرته، ثم يستوطن مكة، ثم يعتمر في أشهر الحج ويحج من عامه فإنه لا يكون متمتعا قاله أشهب ومحمد وهو معنى قول مالك إنه دخل مكة وليس من أهلها يريد أنه حين دخل معتمرا في أشهر الحج ولم يكن هو من أهلها وإنما كان يريد الاستيطان وذلك يمنع حكم التمتع.
(فرع)
فإن كان له أهل بمكة وأهل بغيرها من الآفاق فقد روي عن مالك في المدونة أنه قال هذا من مشبهات الأمور وأحب إلي الاحتياط قال ابن القاسم كأنه رأى أن يهرق دما لمتعته وذلك رأيي، وفي غير المدونة عن مالك أنه لا يرى عليه الهدي وشأنه يسير والاحتياط أولى، وقال محمد قال أشهب إن كان إنما يأتي أهله الذين بمكة منتابا فالهدي عليه وإن كان يستوطن مكة وإنما يأتي أهله بالآفاق منتابا فلا هدي عليه.
فوجه قول مالك ما قاله أن هذه من مشكلات الأمور؛ لأن له شبهة تقتضي إسقاط الهدي لاستيطانه بمكة وشبهة تقتضي إيجابه لاستيطانه غير مكة فيؤثر الاحتياط بإخراج الهدي وما قاله أشهب إخراج المسألة إلى البيان ويلزمه ما قال مالك إذا استوى استيطانه بمكة وغيرها ولم يأت إحداهما إلا كما يأتي الأخرى والله أعلم.
(ص) : (مالك عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول من اعتمر في
شوال أو ذي القعدة أو في ذي الحجة، ثم أقام بمكة حتى يدركه الحج فهو متمتع إن حج وعليه ما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع) .
(ش) : هذا على نحو ما تقدم من حديث ابن عمر وقوله أو ذي الحجة يريد قبل
الحج بدليل قوله ثم أقام بمكة حتى يدركه الحج.
وقد ورد ذلك في