عبد الله والسائلين لهما أن الآية تدل على القصر الذي هو رد الصلاة الرباعية إلى ركعتين لأنه هو الذي أقر عليه في حال الأمن.
(فصل) :
وإنما سماها السائل صلاة الخوف لتعلق حكم القصر عنده بالخوف ولم يجد في كتاب الله تعالى صلاة السفر المطلق فلذلك طلب حكمه وهذا على تأويلنا في الآية فأما على قول ابن حبيب فإن صلاة الخوف هي المعروفة وسنذكر حكمها بعد هذا إن شاء الله.
(فصل) :
وقول عبد الله بن عمر إن الله بعث إلينا محمدا ولا نعلم شيئا يريد ولا نعلم وجوب شيء من الشرائع ولا ما يجب من صفاتها وهذا يدل على أن الأشياء كلها لا تجب إلا بالشرع دون الفعل وقوله وإنما نفعل كما رأيناه يفعل يريد أن قصرهم الصلاة في السفر آمنين مما ائتسوا فيه «بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -» وإن لم تكن آية القصر تتناوله فثبت بذلك أنه مرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(ص) : (مالك عن أبي صالح بن كيسان عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي
- صلى الله عليه وسلم - أنها قالت «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر» ) .
(ش) : قولها فرضت الصلاة ركعتين ركعتين يقتضي أن فرض الصلاة كان ركعتين
ركعتين وإنما المراد بقوله أقيموا الصلاة بما نزل بمكة ثم طرأ بعد ذلك النسخ بالتمام في الحضر دون السفر وبقيت صلاة السفر على ما كانت عليه من القصر.
(مسألة) :
إذا ثبت ذلك فقد اختلف أصحابنا في القصر في السفر هل هو واجب أو مندوب إليه أو مباح وقد اختلف قول مالك في ذلك فروى عنه أشهب أنه فرض وبه قال أبو حنيفة وروى أبو مصعب عن مالك أنه سنة وروى نحوه عن الشافعي والبغداديون من أصحابه يقولون إنه على التخيير.
وجه القول الأول بأن القصر واجب حديث عائشة - رضي الله عنها - «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر» ودليلنا من جهة القياس أن هذه صلاة رباعية ردت بالتغيير إلى ركعتين فكان ذلك فرضها كصلاة الجمعة.
ووجه الرواية الثانية أن المسافر يدخل خلف المقيم فيتم صلاته فلو كان فرضه القصر لما جاز له الإتمام قال أبو بشر الدولابي «قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة وهو يصلي ركعتين ثم نزل تمام صلاة المقيم في الظهر يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر بعد مقدمه بشهر وأقرت صلاة السفر ركعتين» .
(فصل) :
وقولها فزيد في صلاة الحضر يحتمل أن تريد بذلك النسخ وذلك أنه إذا زيد فيها فبلغت أربع ركعات فقد منعت زيادة الركعتين أن تكون الركعتان صلاة بانفرادهما فكان ذلك نسخا لها.
(فصل) :
وقولها وأقرت صلاة السفر تريد أنها بقيت على ما كانت قبل النسخ من وجوب كونها ركعتين وهذا على قول من يقول إن القصر هو الفرض وأما من قال إن القصر سنة فإنما معنى ذلك عنده إنما أقرت صلاة القصر بمعنى أنها أقل ما يجوز للمسافر فيكون إقرارها بمعنى الاجتزاء والجواز لا بمعنى الوجوب ويكون الوجوب منسوخا ويكون القصر في الحضر منسوخا وجوبه وجوازه وهذا على قول من قال إنه إذا نسخ الوجوب جاز أن يتعلق بذلك في الجواز قال الإمام أبو الوليد وهو عندي ظاهر.
(مسألة) :
إذا ثبت ذلك فالأسفار على ثلاثة أضرب: سفر عبادة كالغزو والحج وسفر مباح كسفر التجارات وسفر مكروه كسفر الصيد للذة وسفر المعصية، فأما سفر الغربة فلا خلاف أن القصر فيه مشروع وأما السفر المباح فذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي وجمهور الفقهاء إلى أن القصر مشروع فيه.
وروي عن عبد الله بن مسعود منع ذلك إلا في سفر العبادة