الحولين تمام الرضاعة فدل أن ما زاد عليها ليس بمدة الرضاعة؛ لأن الرضاعة تمت قبلها، ووجه الرواية الثانية أن ما زاد على الحولين في حكم الحولين؛ لأنه لا يستغنى عن الرضاع بانقضاء الحولين بل يحتاج إلى تدريج فكان ما قاربهما وتمم حكمهما في معناهما.
(فرع)
فإذا قلنا باعتبار الزيادة على الحولين فكم قدر ذلك روى عبد الله بن عبد الحكم الزيادة اليسيرة، وروى عبد الملك بن الماجشون الشهر ونحوه، وروى ابن القاسم الشهر والشهرين، وروى الوليد بن مسلم والثلاثة، وقال أبو حنيفة الحولان وستة أشهر بعدهما مدة الرضاع سواء فطم قبلها أو لم يفطم والدليل على ما نقوله أن النص تناول حولين، وأنهما تمام الرضاع فإنما يجب أن يكون تبعا لهما المدة اليسيرة التي ينقضي في مثلها حكم الفطام دون المدة الطويلة التي لها حكم نفسها فلا يحتاج الحولان إليها في تمام حكمها.
(ص) : (مالك عن نافع أن سالم بن عبد الله أخبره أن عائشة أم المؤمنين
أرسلت به وهو يرضع إلى أختها أم كلثوم بنت أبي بكر فقالت أرضعيه عشر رضعات حتى يدخل علي قال سالم فأرضعتني أم كلثوم ثلاث رضعات، ثم مرضت فلم ترضعني غير ثلاث رضعات فلم أكن أدخل على عائشة من أجل أن أم كلثوم لم تتم لي عشر رضعات مالك عن نافع أن صفية بنت أبي عبيد أخبرته أن حفصة أم المؤمنين أرسلت لعاصم بن عبد الله بن سعد إلى أختها فاطمة بنت عمر بن الخطاب ترضعه عشر رضعات ليدخل عليها وهو صغير يرضع ففعلت فكان يدخل عليها)
(ش) : قوله أرسلتني إلى أم كلثوم ترضعه عشر رضعات ليدخل عليها؛ لأنها
تكون خالة له من الرضاع فيحرم بذلك عليها كما لو ولدته أم كلثوم، وإنما يجب أن تعتبر بهذا فيجعل المرضعة والدة فكل من كان يحرم عليه بها لو ولدته يجب أن تحرم عليه إذا أرضعته.
(فصل) :
وقوله فأرضعتني أم كلثوم ثلاث رضعات، ثم مرضت يروى مرضت بإضافة المرض إلى سالم ويروى مرضت بإضافة المرض إلى أم كلثوم وهو الأظهر؛ لأن مرض سالم لم يكن يمنعها من ذلك وإن منعها في وقت من الأوقات إلا أن يبعد مكانه ويتعذر تكراره عليها.
(فصل) :
وقوله فلم أدخل على عائشة من أجل أن أم كلثوم لم تتم لي عشر رضعات، ثم روى عنها أنها قالت، ثم نسخ ذلك بخمس رضعات يحرمن ولعل ما اعتقدته من النسخ لم يظهر إليها إلا ما أمرت به في قصة سالم بن عبد الله ولم تتم الخمس رضعات الناسخة عندها فلم يكن يدخل عليها، وروى علي بن أبي طالب وابن عباس تحرم القطرة الواحدة إذا وصلت الجوف في مدة الرضاع وبه قال سعيد بن المسيب ومالك وأبو حنيفة وروي عن عبد الله بن الزبير لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان، وروى عن عائشة عشر رضعات، وروي عنها نسختها خمس رضعات والدليل على ما نقوله قول الله تبارك وتعالى ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ [النساء: 23] ولم يفرق بين رضعة وأكثر من ذلك، وأما الحديث الذي ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «لا تحرم المصة ولا المصتان» فمعناه عند شيوخنا أن المصة والمصتان لا تحرم؛ لأنه لا يحصل بها اجتذاب شيء من اللبن حتى يتكرر ذلك ودليلنا من جهة المعنى أن هذا معنى ينشر الحرمة فلم تعتبر فيه الولادة والطهر.
(ص) : (مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أنه أخبره أن عائشة زوج
النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدخل عليها من أرضعته أخواتها أو بنات أخيها ولا يدخل عليها من أرضعه نساء إخوتها) .
(ش) : قوله كان لا يدخل عليها من أرضعه نساء إخوتها ظاهره خلاف لما روته
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أذن لها أن يدخل عليها أخو أبي القعيس والأصح أن هذا وقع فيه بعض الوهم فيما روي من ذلك عنها فلم تكن لتخالف ما سمعته من النبي - صلى الله عليه وسلم - أو دخل عليها - رضي الله عنها - تأويل صرفت به ما سمعته من النبي - صلى الله عليه وسلم - عن